يعتب العقل الإسلامي لدينا على كل من ينتقدوه , ويحول الأمور دوما إلى أمور دينية عقدية يهيج بها جماهير الناس , لكي يفلت من النقد وتبعاته , و حين يحاول غيرهم التشكيك بهم عند جماهيرهم , من خلال أدلة منطقية , فإنهم يعقدوها على كل بساطتها , ويعتمدون على عدد من المسائل المعقدة الوسيطة , التي تربط بينهم وبين جماهير الناس / العوام كما يسموهم , لكي تظل هذه العقول تابعة في كل ما تأخذه , حتى المعلومة الأساسية لا يتم التجرد فيها والتأكد منها , ومن ذلك يمررون ما يشائون , من غير أن يوضعوا في الميزان العلمي والموضوعي , الذي يبدأ أولا من التأهل العقلي والفهم , والأمانة النقلية في الاطلاع على ما هم بصدد الحديث عنه . وليس ذلك هو العقل الإسلامي والديني لوحده لدينا , بل كذلك فإن العقل العربي بكافة انتماءاته يرفض نقد الآخرين ويحوله إلى صراع وتشكيك وانتقاص منهم , في نفس الوقت الذي يفتقر إلى النقد الذاتي من داخله مع ثقة مطلقة واستغناء تام عنهم .
وحينما يخرج مفكر مثل الجابري ناقدا للعقل العربي , أو محمد أركون ناقدا للعقل الإسلامي , ويكون على اطلاع وصاحب ذخيرة معرفية وتخصصية كبيرة جدا , إضافة إلى تفوق عقلي وفلسفي , فإن كل استنتاجاته ودراساته وملاحظاته وثقافته الثرية الجوهرية , يتم الترهيب بها والرمي بها عرض الحائط , بل محاربته وتكفيره واتهمامه بالعلمانية اللادينية في أسوأ الأحوال , أما أحسنها فبحجة مثل عدم تخصصه بالعلم الشرعي , والسبب الحقيقي هو أنه ملم بالعلم الشرعي وزيادة , ولكن الزيادة في العقل الإسلاموي , تعني دائما النقصان , الزيادة في العلم , أو الوعي , أو الاطلاع , دوما ما تدرج تحت الغزو الفكري والضلال , وتتم حمايتها بذلك السياج الذي يسميه أركون بالدوغمائي المغلق , ويقدم لأصحابة المبرر بالبقاء في ثبات مطلق ودائم , يبدأ بمراجع ومرجعيات تشبههم كثيرا وتحقق بقائهم وامتداد سلطتهم الدينية السياسية , وينتهي بذواتهم ومقولاتهم الخاصة , والبعيدة عن كل علم ودين وموضوعية .
حينما قرأت لأركون لم أجد أن في دراساته ومقولاته شيء غريب أو جديد في نقده للعقل الإسلامي , فكثير مماقاله يمكن ملاحظته ببساطة , دون أدنى جهد دراسي , وما لفت نظري لديه هو نقده الآخر للعلمانية والإلحاد والعلمية المادية البحتة , وهو أمر لا يكاد يشهره أحد به , خاصة بعد أن توفي ـ رحمه الله ـ و ضاع صوته الواعي مع الأصوات الواعية الموجودة بين ضجيج الصارخين والمشوهين , وهي قاعدة فكرية أطلقها مفكر إسلامي وناقد للعقل الإسلامي كذلك , هو المفكر الدكتور عبد الكريم بكار , إلا أنه كان أكثر حظا من أركون لدى الإسلاميين , ولا أظن لسواد عينيه ولا حتى طول لحيته , وإنما لغياب الحجج والمبررات الشائعة التي يتذرع بها الإسلامويون , وهي عيشه في الغربة ودراسته وتدريسه فيها , إضافة إلى كونه مغربيا لا مشرقيا شرقيا خالصا , وملوث بالفلسفة المغربية التي نبذت منذ زمن طويل بسبب عقلانيتها وفلسفيتها وتجردها عن ما يدعوه الجابري بـ ( منطق الأعراب ) .
لفت نظري هذه المرة مثال بسيط صارخ , على قصور العقل الإسلامي في الفهم , أو قصوره في الأمانة العلمية والدينية , أو كلها معا . من خلال اطلاعي مؤخرا على قناة فضائية ضمن مجموعة قنوات ( النايل سات ) باسم ( الملكوت سات ) وحينما فتحت القناة وشاهدت نموذج من برامجها , وجدت بوضوح شديد بأنها قناة ملحدة / مسيحية , وتعجبت بالفعل من وجودها ضمن قنوات عربية وفي قمر النيل سات , ولكن قلت بأن الإعلام لدينا ربما وصل لدرجة الحرية , وحققها من خلال سماحه للجميع بالتعبير عن قناعاتهم وإنشاء قنواتهم , دون أن يكون السلاح هو الحجب والمنع , خاصة وأنها مسائل فكرية وليست إباحية أو غريزية ينقاد لها الانسان قسرا . ولكن بعد ذلك بمدة قصيرة جدا , أخذت الأخبار تنتشر عن إغلاق النيل سات لعدد من القنوات الدينية والإباحية كما سمتها , مع أني لا أعرف أن هناك قنوات إباحية على هذا القمر , الذي أفتح قنواته باستمرار , دون أن أجد أي أثر لهذا الادعاء بالإباحية !
قبل قائمة القنوات الأخيرة الموقوفة والتي من الواضح أنها دينية في الغالب , كنت قد بحثت عن نتائج عربية تعلق على قناة ( الملكوت سات ) التي اكتشفتها مؤخرا , ولم أجد سوى مواضيع من نوع إدراجها ضمن القنوات المسيحية من فئة ربما محايدة أو مسيحية عربية , أو إدراجها ضمن ما يسمى بالتبشير / التنصير والضلال , من قبل الإسلامويون , ومن ضمن ذلك خبر يقول بأن هناك جدل دار بعد افتتاح أخرى شبيهة بين الإسلامويون وصاحب القناة المسيحي القبطي , صرح فيه الأخير بأنه افتتحها لـ ” التخفيف من حدة التدين الزائدة في المجتمع “ وهذه هي الجملة الوحيدة الموضوعية الواعية في وصف القناة والتي تعني ما يسميه أركو ن بـ ” الأشكلة / التشكيك ” , والتي يمكن نقدها ولكن بناء على حقيقتها , ولكنها ألغيت باختصار و أغرقت بضجيج الإسلامويون , الذين لم يفهموا حتى أن القناة بوصفها ملحدة / مسيحية , فهي قناة ساخرة من الإيمانيات والأديان , ومتخذة للمسيحية مثالا ونموذجا وحيدا , من باب النقد الذاتي من المسيحيين , وحتى دون أن يعتبروا أنفسهم غير مسيحيين , وهذا فرق آخر بين الملحد العربي الشائع والغربي .
القناة أغلب برامجها ، هي مدبلجة عن عدد من البلدان الغربية , ويتحدث فيها مقدميها بصفة ” نحن المسيحيين ” قبل إطلاق النكات حول النصوص الموجود في كتبهم , ومقارنتها بالعلم والعقل والمنطق والحداثة , وكل ما تُنتَقد فيه الأديان , من وجهة النظر العِلمانية و الملحدة . وقد سبق المفكر الراحل أركون بقوله بأن التعريف بالانتماء للدين لا يعني دوما التدين , وهناك انتماء يعني الوراثة , ولكن لا يعني كذلك أن الوراثة والتوريث هي قسرية وإجبار وظلم للأطفال وتخريب لعقولهم , كما يصرح الكثير من العلمانويون المتطرفون , وهذا الانتماء هو ما يبدو أن المسيحي الأمريكي والغربي الملحد والعلماني يعترف به , دون أن يبالغ في ردة الفعل تجاه الدين , أو يرفضه بكامله ويتبرأ منه , ويبرأ نفسه من التأثر به بطبيعة الحال , أو وجود جانب روحي / عاطفي / نفسي / خيالي لديه , وهو الأمر الذي يسميه أركون ( المتخيل ) الانساني الذي يجعل الدين أمرا إيجابيا وضروريا كذلك , وإن كان لا بد من معالجته ونقده .
في الجانب الآخر , وبعيدا عن تصريح صاحب القناة , وكذلك عن تصريح أصحاب البرامج في القناة , يصر الإسلامويون على تغيير حقيقة الأشياء ومعانيها الدقيقة والموضوعية , فيصفون القناة في بداية انطلاقها بـ ( التبشيرية ) بل الموجهة للمسلمين ! ويريدون حجبها , وهو وصف عجيب لقناة على العكس تماما من التبشير بالدين وبالمسيحية , فهي تبشر بالإلحاد جملة , و تنتقد المسيحية تفصيلا , ولا تجعل الإسلام أو الدين بمجمله موضوعا لها . وبعد أن تم قطع البث الأخير على القنوات الدينية الإسلاموية , أعاد أحد هؤلاء الكتاب العتب والمقارنة , بأن هناك قنوات ( تبشيرية ) لا تزال مفتوحة على قمر النايل سات , مقابل إغلاق القنوات الإسلاموية , و لا ينسى من ضمنها قناة ( الملكوت سات ) المذكورة والموصوفة . ومن خلال هذا المثال الصارخ , يتبين تخبط وازدواجية العقل الإسلامي وانغلاقه على واقع الظاهرة الدينية المسيحية والعلمانية الملحدة الغربية , بالرغم من أنه يدعي الحرص على الدين الخالص , و يحاول الحفاظ على حقه ونصيبه فيه , من خلال المبادئ العلمانية واللبرالية مثل حرية التعبير و المساواة بين الأديان , و لكن بواسطة لبرالية وحرية متطرفة منه يريد فيها منع الآخر من التعبير , ثم يعتب ويريد حرية التعبير له وحده بمطلق حدودها !
لا أؤيد أبدا سياسة الحجب والإغلاق في الآراء والمسائل الفكرية , وما أراه بأن النيل سات قد خصصت الحجب والإغلاق على القنوات الإسلامية دون غيرها , وإن كانت أضافت له مبررا يوحي بأنها ليست لوحدها أكاد أجزم بأنه كاذب , وهو وجود قنوات إباحية على القمر ! ولكن يبدو أن النيل سات واثقة أنه لا يوجد محايد ينبذ العنصرية تجاه الإسلامي في حرية التعبير , مقابل السماح لقنوات دينية أخرى أو لا دينية , قد تكون على نفس الدرجة من التطرف , وكما قال أركون أيضا , بأن مسائل التحريض والتمييز لا تعالج بالسياسة حوارا أو حجبا بل بالثقافة والنقد الذاتي والاعتراف بالآخر , وإلا فإن المصالح الاقتصادية والسياسية تسمح لفئة وتهمش فئة . وفي هذه الأثناء والأيام , يحاكم اللبرالي المتطرف خيرت فيلدرز صاحب فلم ( فتنة ) بتهمة كونه محرضا ضد المسلمين , ولا يبدي الإسلامويون اهتماما كما أبدوه عند ظهور الفلم , لأن سبب ومحور الاهتمام هو إشعال فتنة وتحريض كذلك على الآخر الغربي واتهامه بالجرم المشهود والحكم السريع عليه , كما يفعلون الآن في التصارع مع إدارة النيل سات , لأن المطالبة ضمن مبادئ علمانية ولبرالية تتطلب إيمانا بها واعتراف بالآخر و مبادئه , وهو أمر غير موجود لدى المتطرف الذي يجمع تطرفات جميع التيارات دون مبادئها العادلة والمعتدلة .
الهولندي صاحب الفلم , من الناحية السياسية الفكرية , كان عضوا في حزب لبرالي ديمقراطي معتدل , ولكن تطرفه جعله ينفصل مكونا حزبا يحتوي على حقوقه الخاصة والمطلقة على طريقة الاسلامويون المطالبين بحرية التحريض ! باسم مبدأ واحد من مبادئ اللبرالية هو ( الحرية ) بما يلغي بقية مبادئ العدل والمساواة ويعكسها , و على هذا الأساس يحاول تبرير فلمه وآراؤه في المسلمين والمهاجرين , التي يحاول فيها التخلص منهم والتحريض ضدهم هو أحد الوسائل , وهو ليس لوحده الذي يشكل ظاهرة التطرف ضد المسلمين والعرب الذي لا يقتصر على الأحزاب الدينية اليمينية , بل يمتد للبرالية المعتدلة والعلمانية اليسارية في الغرب . وكل هذه المسائل لا تعني الإسلامي والعربي لدينا , ولا يقدم التوعية بها وبأخطارها , لانشغاله بمشاكله وصراعاته الجزئية وجدله البيزنطي الداخلي , بينما يحصل في الواقع والسياسة أن يخسر مكاسبه وحقوقه , التي لم يحاول حتى التعرف عليها , والمحاجة على أساسها , وحتى كيفية ومبررات المطالبة بها المتعددة , والقائمة على التعددية والاعتراف بالآخر المعتدل في الداخل والتكامل معه والاستعانة به والانتماء له ؛ وتلك مشكلة غير بسيطة تحدق بواقعنا العربي والإسلامي وتشكل سببا وجزئا كبيرا من مشاكله الكبرى !