أحدثكم عن قراء يقرّون لا يقرؤون !

كتب الكاتب بجريدة المدينة ” طريف السليطي ” مقالا بعنوان ( أحدثكم عن كتاب لا يقرؤون ) وقد لفت نظري المقال من عنوانه , فأنا على رأسي بطحة حول قلة قراءتي المدرسية وكثرة  كلامي عن الواقع والحياة والتجربة أولا بأول و قلة كتابتي النظرية , ولدي تحفظ قديم على القراءة المكثفة , وتكثيف مفهوم ضرورة القراءة ومركزيتها . مع ذلك فإني أقرأ من حين إلى حين , ولا أنقطع عن القراءة أبدا , وأطلع بانتقائية شديدة , أولها أن يشدني العنوان بموضوعه ومضمونه الذي يتحدث عنه , على أن الكثيرين يتقنون صنع عنوان جذاب , حتى لو كان الطرح على غير ذلك , وفي كل يوم يجذبون القراء بنفس الطريقة , على كثرة التكرار والزن الذي يتمتعون به ويبدعون فيه ! ويبدوا أن الزميل الكاتب يقرأ للكثير منهم بالفعل كما يقول في أول جملة من مقاله , وإن كان أوعى من أن ينشد لمجرد العناوين , ولديه رؤية نقدية أتفق معها حول الكتابة الصحفية السطحية , وتكاثر كتابها وأسلوبها , وأتفق مع الكاتب في عموم مضمونه تماما , إلا أني أردت إضافة بعض التفاصيل عليه , والاختلاف معه حولها .

 

يقول الكاتب بأن نموذج وصورة تكثيف الجامعات والمباني من مثل بناء الكثير من المساجد دون وجود الكثير من المصلين , يختلف ويقابل ضرورة تكثيف المكتبات , والأهم وجود روادها , و هنا أرى أن تكثيف المكتبات وكذلك تكثيف القراء من روادها , أيضا سيؤدي لنفس النتيجة , وأريد التركيز على نقطة عرج عليها في مقاله , وهي أن المهم ليست القراءة التقليدية وإنما الجوهرية غير السطحية وللكتب الغير سطحية وليس فقط للكتب بل الدراسة العقلية , و لكنه استثنى منها متابعة وقراءة الأحداث أولا بأول , إضافة إلى عدم إدراج الجامعية والمدرسية في هذه القراءات التي نتطلبها ونريدها , وأظن بأن القراءة المدرسية والجامعية هي نوع جيد جدا من القراءات على عكس ما يعمم , ولا يعيبها سوى أن تكون في المدرسة والجامعة النمطية لدينا , و في صورة تلقين وتأكيد غير عادي , يجعل الطالب يتوقع ويستنتج أن العلم ينتهي والمعارف الأساسية يحيط بحدودها المرء عندما يتخرج من المدارس , والتخصص والخبرة بعد التخرج من البكالوريوس , وما بعده يعد ترفا معرفيا .

 

هذه هي القراءة التقريرية التي أنتقدها وألحظها لدى الكثير من القراء النهمين , فكل قارئ منهم لديه هوس بكاتب أو كتاب أو تيار أو شخصية معينة أو توجه فكري , وكأن المعرفة تنتهي عنده , و ينظر بعده لجميع الأحداث والكتابات من زاوية هذا الكاتب ومن خلال تصنيفه لنفسه كقارئ منتسب / منتمي أبدا , ولذلك فإن كثير من هؤلاء ألحظ لديهم ندرة وقلة في الكتابة الإبداعية والاستقلال الفكري والتحليل الشخصي , وتتمحور كتاباتهم حول تأكيد وتقرير ما قرأوه وتشجيعه والدعوة إليه , و لتكثيف دور ومفهوم القراءة التقليدية و تجميع القراءات التحليلية الجاهزة , دور مهم في تكوين هذه القاعدة الكبيرة من القراء / الكتاب , وغياب الكاتب / المحلل / المبدع , وهذا المفهوم يؤكده كاتب المقال , انسياقا مع رمزيته وتأكيدا لها , كما يحصل من جراء القراءة التقليدية التي ينخرط فيها هو الآخر , فهو لا يقدر قراءة الأحداث قراءة متجردة , والتغير الطبيعي الذي يتبع القراءات التي يطيب لي تسميتها بالحداثية , التي تبدأ من الحدث زمانا ومكانا في الحاضر , وتنتقل معه كذلك زمانا ومكانا وطولا وعرضا من الحاضر للمستقبل , مما يعني ويؤدي إلى حركة وتغير وواقعية وتحرر في الفكر والقراءة معا .

 

ما أنتقده أيضا على المقال المذكور هو الجزئية التي وصفها ناقدا بالمدرسية , والتي أظن أنها تمثل جانبا إيجابيا مهما كذلك , وجد في المدارس , بمعناها التقليدي الذي يعني المراحل الدراسية قبل الجامعية و الثقافي الذي يطلق على التوجهات والتيارات الفكرية , فالمدرسة التقليدية يوجد فيها جانب محايد جيد , من خلال نقلها للحقائق المجردة والمتجردة عن المدارس الفكرية التي تتبع كل منها طريقة في تحليل هذه الحقائق والاستنتاج منها , ثم تأتي مكانة المدارس الفكرية مع ضرورة التقدم في الوعي بنسبيتها ؛ فالمدرسة التقليدية الحقائقية مرحلة ممتازة من الناحية الزمنية , ومن الناحية المكانية في عقل الطالب , الذي تقدم له الحقائق المتفق عليها ولا يصبح مدرسيا ( سكولاستيكيا ) يلقن وجهات نظر مختلف عليها , و حقائق نسبية في شكل وأسلوب يظهرها بمظهر الحقائق المطلقة , وفي عمر ومرحلة متفرغ فيها العقل لاستقبال وتصديق ما يقرب من الحقيقة واستيعاب محدود لمفهوم النسبية الكبير , الذي يوجد حتى في العلوم المادية والعلمية بل في علم ( الفيزياء / المواد ) , و الذي أشتهر أحد أكبر علماؤه ” آينشتاين ” بتأسيس نظرية سميت باسم المفهوم ( النسبية  ) وأسس له حتى من الناحية المادية التي ينحسر فيها هذا المفهوم , خاصة بالنسبة للعلوم النظرية والفلسفية .

 

ما يدعوه الكاتب الفاضل في مقاله بـ ( القاعدة الصلبة ) للقراءة , أتفق معه في ضرورته , وأختلف معه حول هذه القاعدة ونوعيتها , فأنا أظن بأن الحدث المجرد والحقيقة المتفق عليها , هي أكثر ما يجب أن يقرأ وتكون فيه قاعدة معرفية وعلمية , وما يبقى يكون دور الكاتب والكتابة , في التحليل والاستنتاج والإبداع المستمر ؛ وكثرة القراءة للكتابات والدراسات التحليلية , أدت بالكثيرين إلى تمجيد دراسات هي بمقام ومفهوم التجارب , والتي يجب أن تستمر وتختلف في كل مرة وقيمتها في كونها تجربة جديدة , ومن الخطأ الفادح تكريرها أو ادعاء إمكانية ذلك , فكثيرا ما يكون فيها جانب ذاتي وبصمة كبيرة بحيث تناسب صاحبها لوحده وتمثله . ويكفي من التكرار تراود الأفكار دون قراءة ونقل ومرجعية , كما أنه ـ أي التوارد دون نقل ـ يؤكد صحة الفكرة الموضوعية وينزع عنها الذاتية , أكثر مما يؤكدها ترديدها دون فحصها وتجربتها ذاتيا . والتكثيف من القراءة لكتاب كبار سنا وفكرا أصحاب تجارب صقلتهم , وتقليدهم دون خوض نفس التجارب والظروف الواقعية , هو أكبر إعاقة للفكر النامي لدى الكثير من كتابنا الواعدين من الشباب .

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.