من تجليات الفكر الذكوري في الثقافة الأمريكية نهاية 2008 وبداية 2009 : 1 ـ دور الفكر والثقافة الذكورية . 28 فبراير 2009
Posted by فكرة in عالمنا الأنثـوي, مسائل فـكـريـة.Tags: فكر, قضية المرأة, مساواة, نسوي, هيلاري كلينتون, هضم النساء, أنثوي, إنصاف, إعلام, انتخابات أمريكية, باراك أوباما, تحرر, ثقافة, حرية, ذكوري, ظلم المرأة, عنصرية, عدل, عدالة
trackback

في انتخابات 2009 الأمريكية كانت هناك: المرشحة , والنائبة , ووزيرة الخارجية , و احتلت الإناث تلك الأماكن المميزة جدا منذ انتخابات الحكومة الأمريكية لهذا العام , لكن أولاء النسوة ذكرهن والحديث بتاء تأنيثهن احتل غربة ثقافية أيضا , ومن الغريب أن أتطرق لهن في طرحي , و قد كانت محاولاتي للبحث عن ضجة وإثارة لموضوع تولي المرأة هذه المناصب في هذا الظرف يائسة , وكانت نتائج البحث قليلة فقيرة , ولكن لم يكن الإشكال في ما لم أجد وإنما فيما وجدت !
كثيرا ما تعد قضايا المرأة استثناء ومبالغة , ولكن الأسوأ والأجرأ من ذلك حينما يكون الوقت وقت الموضوع ومن الواجب أن يطرح فيه , وحين يكون الموضوع الذي يساويه ويقل عنه مطروحا بقوة بينما يتجاهل ويكمم هو . هذا ما حدث حينما كانت انتخابات الرئاسة تضم مرشحا رجلا أسود ومرشحة امرأة بيضاء , و أحيا شخص المرشح أوباما قضية عرقه وتناولته الجهات والساحات الثقافية على اختلافها وضجت به , في حين لم تتناول بنفس القدر قضية العنصرية ضد المرأة , و كانت الحجة أن الولايات المتحدة قد خلت من رئيس أسود طوال فترة تاريخها , ولكن في نفس الوقت لم يلتفت لحجة أن الولايات المتحدة خلت من رئيسة امرأة طوال تاريخها أيضا .
لقد نال المرشح الرجل كل الاهتمام والتغطية لقضيته بينما ظلت هيلاري بلا اهتمام منصف , ولم تكن ذلك لوحدها بل كانت قضية المرأة في خفوت كبير بالنسبة لتلك اللحظة التاريخية , و في الوقت الذي يتم فيه طرحها , فإنها تواجَه بأحد الأسلحة الشهيرة في الفكر الذكوري , وهي دعوى انتهاء تاريخ قضية المرأة وأنه كان ماضٍ وانتهى , وكان شديدا وزال بكل بساطة , وإن بقي ففي أماكن غير الولايات المتحدة العظمى ! ولكن سلمت العنصرية ضد السود من هذا الوصف , وبدا أن الثقافة التي تمارس عنصرية شديدة ضد الجنس الإنساني الآخر , قررت أن تعفو عن عنصرية عرقية تنشأ عن نفس الفكر , حينما كانت البلاد في مأزق مع الأحزاب والشخصيات التي لا تثق وترجو منها خيرا كالذي ترجوه من هيلاري وأوباما , و حينما كانت عنصرية الذكورية ضد الأنوثة هي أقوى العنصريات كما يشهد التاريخ والواقع , بل وهذا الحدث الكبير والمعبر أيضا !
لقد كانت مسألة التفاعل والتعاطف مع أوباما الأسود هي السائدة والمسببة لارتفاع سهمه بلا منازع , وكان استثنائها من هذا التعاطف هو إقصاء وخطيئة ثقافية وديمقراطية وسياسية كبرى ! و كانت تلك المزايدة على قضية أوباما كافية تماما وواضحة التسبب في إقصاء شخصية هيلاري عن كرسي الرئاسة , وتخلي الحشود والجماهير عن التعاطف مع قضيتها والمشاركة في نقلة تاريخية لها ولقضية المرأة , وهكذا تم تجاهل قضية الأنثى التي مثلتها بإقصائها عن الرئاسة كامرأة قادرة وجديرة تتطلب مكانة لائقة بها كما يتم في كل فكر وثقافة ذكورية أثناء تحركات ومحاولات الأنثى في أن تتعايش وتتشارك وتندمج في هذا العالم بشكل طبيعي.
لم يتكلف الفكر الذكوري في استخدام وسائل كثيرة في إسقاط هيلاري وإقصاء قضية الأنثى , فلقد كانت الطرق ممهدة من قبل لهذا الفكر , وكانت الثقافة الأمريكية تعيش مرحلتها الذكورية , وقد كان تصريحها بتقدمها وإعطائها المرأة حقوقها هو خطوة قاطعة وعلامة كافية على تأخرها في قضية الأنثى , حيث أوقفت تقدمها وأشارت إليها بالاكتفاء . وهذا ما يفسر وجود جهات خاصة تتبنى فكرة قضية المرأة هناك , في حين يفترض أن تكون حركة مستمرة وشائعة بين النساء اللاتي لا تكاد تسلم أي منهن أيا كانت من الممارسات التمييزية ضدها , أو على الأقل يكون شيوعها استكمالا لرحلة التقدم التي حصلت الأمريكيات على شيء منها , إلا أن المحاولات والتحايلات الذكورية على القضاء عليها واستحداث غيرها قائمة .
هل كانت أيضا الأمة الأمريكية قد تمادت في تجاهل المرأة وقضيتها و حسمت رئاسة الرجل بطريقة ما ؟ نعم لهذه الدرجة التي احتفت بها أيضا وعدتها طبيعية وخطوة شديدة الديمقراطية تكتب في تاريخ البلاد , وألغت المرأة تماما من هذا الحق وخصته بتلك المكانة , إن هذا ما يظهر حينما أخذت تُنوع وتتفرع في عرق الرجل ونوعه وكأنها انتهت من الجنس الإنساني الذي يحتل المرتبة الأولى في الإنسانية والدرجة الأولى المطلوب المساواة بينها والبت في إشكالاتها والبحث عن تعبيرات حقيقية عن وجودها ومشاركتها وحقوقها , بل لقد انتخبت الرجل من العرق الأشد ذكورة كما يشاع في ثقافتها وفي تعبيرات رجال هذا العرق التي تجلت وبرزت بشدة في الثقافة الأمريكية من قبل , فهو على قدر من القوة والعضلية والخشونة بل والجرائمية والهمجية التي تنشأ دوما عن نقائص الرجال .
حتى ولو كان فوز أوباما على هيلاري من غير اختراقات قانونية , فإنه غير نزيه في حربه النفسية وفي وسائله الثقافية , ولم يكن منصفا في موضوعيته ولا حتى عاطفيته وشعبيته , لأنه أقصى موضوع هيلاري المرأة التي لم تتسلم الرئاسة في تاريخ الولايات كما هو الرجل الأسود , بل إنه قصّر في التفاعل والتعاطف مع العنصرية التي تعرضت لها المرأة في تاريخ أوسع وأطول وأرسخ . و إن إقصاء التفاعل معها كان خطأ وحيدا إلى أنه أدى المهمة المطلوبة في حسم رئاسة أوباما , ولقد كان شديد الفاعلية بقدر ما كانت الأمة والثقافة بأكملها متشبعة بطريقتها بالفكر الذكوري وممارسة لأفعاله دون أن تعترف بذلك , بل اتخذت وسيلة قديمة ومتغلغلة في الفكر الذكوري , بأن تلغي المرأة لدرجة أنها تكمم قضيتها , وتكذِّبها , وترجعها بعد كل قضية صغيرة وتافهة , وتجعلها في طي النسيان , وتظهرها بمظهر الغرابة والخيالية!
إنني أتحدث هنا ليس عن فوز غير شرعي للرئيس أوباما فهو شرعي مؤكدا , وإنما أتكلم عن الوسائل الثقافية التي استخدمت لكي يفوز , وإنه فوز أعترف به ولا أزال أجده منصفا وديمقراطيا , ولكني أجد أنه أيضا إجراء ووسيلة لاختراق ديمقراطي أكبر , و تخلف إنساني وثقافي وسياسي . أقر بأنه تقدم سياسي كبير فقط في تلك السياسة التي حفلت بالرجال والرجولة والذكورة أيضا , تلك السياسة التي حملت الكثير من الأفكار الذكورية , والإجراءات الذكورية , والمفاهيم الذكورية . أما شقها الإنساني الراقي فذا وجود أيضا , ومميز ومعترف به , ومن ذلك قرر الفكر الذكوري أن يقصي عنه الأنثى , وأن يحصر المرأة في مجالات أخرى منحطة أو تافهة , ولن يكون وصولها إليه سهلا لو كان الأمر بيده , بقدر ما أن تأخره في تقبلها كإنسانة موجودة ومؤثرة متأخر جدا حتى الآن …. ولكنه خطأه وليس خطأها , ونقصه وليس نقصها , وتأخره وليس تأخرها , أما هي فستصل بإرادتها إليه وإلى كل ما يلق بها , مهما طال بها الأمر .
والله فكرة المقال الرئيسية جميلة. والمقال أيضا واضح رغم أنه طويل، يعني يمكن اختصاره قليلا لتوصيل نفس الفكرة.
الفكرة كما قلت جميلة، إذا قلنا أن النجاح الذي حققه أوباما يكشف لنا مستوى وعي الناس بالصعوبات والمشاكل التاريخية التي عاناها كل من من السود أو النساء. وأن فوز أوباما يعني أن الإدراك العام لمستوى معاناة السود هو أكبر.
لكن في نفس الوقت، لا نستطيع أن نقول إن ترشح هيلاري ووصولها إلى هذا المستوى، ومنافستها الشديدة لأوباما، لم يكن كاشفا عن وعي الناس أيضا بأهمية مشاركتها، كل ما هنالك أنها لم تفز في مرحلة من المراحل النهائية. لكن استعداد المجتمع لتقبل مشاركة المرأة في دائرة واسعة، ظهر جليا فيما بعد، من حيث قبول هيلاري كوزيرة خارجية، وفوق هذا، قبوله بحسناء ألاسكا كنائبة للمرشح ماكين في حال فوزه. ونقطة أخرى، هي أني لا أتفق معك في أن الكلام عن المرأة ومعاناتها وتاريخها لم يكن حاضرا فعلا فترة الانتخابات. بل كان حاضرا، وبقوة، وبشكل مميز، لكن نعم، لم يكن بمثل قوة معاناة السود. ولذلك، ماذا لو فازت هيلاري، هل كان مثلا من المقبول أن نقول أن اهتمام الناس بمعاناة السود كان متواضعا؟ لا أعتقد هذا. أشكرك مرة أخرى على المقال.
بالنسبة لملاحظتك حول طول المقال فهي صحيحة في رأيي أيضا , وسأعدل في هذا الأمر لاحقا .
وبالنسبة للسود مقابل النساء كلا لو فازت هيلاري فلن أعترض على أن الاهتمام بالسود كان أقل , لأنه يفترض أن يكون أقل والأولوية هي لقضية المرأة الإنسانية قبل أن تكون للعرق . وثانيا لأنه بالنظر إلى تقدم حصول السود على الحقوق واندماجهم وحجم وجودهم في الأمة الأمريكية (وصفت جانب منه في مقال: أول حضور أسود للبيت الأبيض), فإنه في مراحل أفضل من قضايا المرأة التي تشهد واقعا سيئا في كافة الأصعدة . ولهذا فإنه ليس بغريب أن لا تفوز أيضا سياسيا في هذه الأمة , وأما قضية وزيرة الخارجية فأنا لا أجدها إلا ميزة استغلت أيضا للحيلولة دون الميزة الأكبر والمكانة الأليق بهيلاري , مثلها مثل خطوة تنصيب وزيرة للأمن الداخلي , وسأضمن هذا الأمر المقال القادم إنشاء الله .