
أحداث غزة : المواقف والتحركات
9 يناير 2009
مضت أسبوعين وأكثر من الضرب والحرب التي فجعت العالم في غزة , و كانت كثرة الأحداث كافية لئن تجعله يبدو أطول من غيره , و كافية لتحدث فينا التحولات والتغيرات الكثيرة و والكبيرة و الغير متوقعة ! نقلتنا من مراحل إلى أخرى , و أظهرت الأفعال وردات الفعل مواقف لم تكن لتظهر لولا هذه الحادثة , و ظهرت جوانب خفية من أمور كثيرة , وعلى نطاق واسع شاسع بقدر الأطراف التي وصلها الخبر , وهو الذي وصل العالم كله تقريبا !
قبل الحدث حينما كانت الأمور في حالة استرخاء, كانت هناك عدة قضايا سياسية مطروحة ودارجة , وكان الناس يحملون الأفكار والانطباعات حولها ويكونون على إثرها الآراء والتوجهات , وحتى حينما استند ذلك على أساس ثقافتهم ومعرفتهم وحسب تحليل المعلومات التي يحصلون عليها منها والنظر إليها بطرق منطقية , إلا أنه كان هناك بعد آخر يحكم تلك التوجهات بشكل خفي , ولم يتبين ذلك إلا حينما اختلفت تلك التوجهات بدرجات كبيرة تصل إلى 180 ! بمجرد حدوث عاصفة غزة التي أثارت الكثير من الأمور الراكدة وفتحت الكثير من الملفات المغلقة .
قبل مدة قليلة جدا من الحدث كانت هناك تفاعلات كثيرة حول انتخاب الرئيس الأمريكي الجديد ( أوباما ) وكان يتردد فيها صوتا عاليا في الأجواء العربية يتكلم بلغة تحمل الكثير من التفاؤل والابتهاج بقدوم الرئيس الجديد بقدر ما هو متعطش لانتهاء حكم سابقه بوش , حيث كانت لديه ثقة بعظمة أمريكا وتقدم الممارسة الديمقراطية فيها , مغفلا التاريخ المخزي لها في هذه العظمة التي حصلت لها من الاستعمارات والحروب , ومتناسيا تحول الديمقراطية إلى اعتداء وقمع حينما يرتبط الموقف بما يضاد مصالحها في الخارج .
بعد أحداث غزة بدأت تظهر الأصوات المشككة في مدى عقلانية ذلك التفاؤل ويخفت ذلك الصوت المتفائل , بل إن هناك متشائمين ولائمين للرئيس القادم , وأصبح صمته عن التعليق على المجزرة واستنكارها ردة فعل وضعت في عين الاعتبار وأدرجت ضمن المسائل المطروحة حينما تتخذ المواقف تجاهه , كما أن الذاكرة انتعشت بما كانت متناسية له من ماضي أمريكا الدموي القريب وحقيقة انحياز بوش الهوسي لإسرائيل التي لا تتعلق بمجرد هوس أصابه , وإنما بموقف أمريكي شامل مهما تغيرت حدته .
لم يكن ذلك الحدث الوحيد الذي كانت تغيب فيه أبعاد ضرورية من الموضوع ونتعامل معه بنفسية لحظية متمنية , وإنما تكثر مثل هذه المواقف في ملفات متعددة , وفي أزمة غزة جرت إعادة فتح لملفات كثيرة , فقد سلطت الأضواء على مصر بآراء متباينة في الهجوم أو الدفاع عن موقفها في فتح وإغلاق المعابر والحدود بينها وبين غزة , ومجرد هذا الطرح كان يدل على أن ملفا مهما في القضية فُتح موضوعه دور مصر الشقيقة وصاحبة المعابر المتصلة بغزة في أزمتها الحالية بل وأزماتها المتوقعة مستقبلا , وليس بوصف غزة فقط الإقليم المحدود من فلسطين المحتلة , بل بوصفها جزءا من الدولة ومحورا في قضيتها الطويلة .
الجماهير أيضا أخذوا يدركون ضرورة الفاعلية والتحرك نحو الاحتجاجات المستمرة والمنددة , وذلك بطريقة وعوامل لم تكن موجودة من قبل من حيث العدد على الأقل حيث كانت المظاهرات في بعض الدول تكتب في تاريخها بأنها الأكثر عددا منذ قيام الدولة كما في تركيا , وفي دول أخرى كمصر كان استمرارها لأيام تجاوزت الأسبوع أمرا غير متوقع , ووصفت التظاهرات بأنها أكثر وأشد من التظاهر على حرب العراق بأكملها! أضف إلى ذلك تراجع اللغة المطالِبة للرؤساء والحكومات والتقدم نحو تكوين تحركات شعبية وجماعية مستقلة بقدر الإمكان , والاتكال عليها لحد الانشغال عن تلك المطالبات , فمن تظاهرات حاشدة إلى خطابات وإجراءات عملية لجهات متعددة , إلى تكوين جماعات الكترونية .وغيره وغيره ..
في هذه الأزمة أيضا ـ حسب بعض وجهات النظر ـ خرجت أزمة غزة المحاصرة إلى العالم بشكل صارخ حينما اكتست بلون الدم وضجت بأصوات الصوايخ !! وأوجد الاهتمام بها والتعاطف معها والتفاعل إزائها سببا لمناقشة سبل التحرك وإيقاف المأساة على المتضررين . وفي هذه الأزمة كانت وتيرة الأفعال وردات الفعل متسارعة وفاعلة ونشطة من جميع الأبعاد الفكرية والتحليلية والسياسية والحركية والحربية .. وقد كان العالم بحق في حالة يقظة تجاه أهل غزة وبالتالي حصارها ودمارها وبالتالي القضية الفلسطينية العالقة , والتي ربما تنتظر أزمات باردة بانتخاب رئيس جديد قادم لإسرائيل , إلا أنها حصلت على فرصتها في تحسين الأوضاع القائمة , واستغلال الحدث في إطالة الحلول وتوسيعها إلى أبعد مدى بدلا عن انتظار تفاقم الأوضاع إلى الأسوأ على المدى الطويل بطريقة صامتة باردة !
عرف العرب في هذه الأزمة ما هي الخطوة الصحيحة من الخاطئة , وما هو متوقع منهم نظريا , وأصبح لديهم الآن درس بعد ما خرج به اجتماع مجلس الأمن الذي اقترحه بعض وزراء الخارجية العرب واشتركوا فيه , في ظل الكثير من المعارضة العربية نخبوية وجماهيرية التي تؤكد على أنها الخطوة الأقل مسئولية والأرجى بعدم تحقيقها للنتائج المطلوبة . وهذا بالضبط ما حدث حينما انتهى الاجتماع بقرار غير ملزم لإسرائيل بوقف الهجوم على غزة , ولم تكن تلك الثغرة الوحيدة التي كانت فيه , ولكنها كانت التغرة القاطعة بفشل تلك الخطوة وذلك الاجتماع , الذي لم تحدث على إثره أي تغيرات على الأرض , ولا زالت الأزمة قائمة !
تلك المواقف والتحركات القوية لا تدعو للتفاؤل من جهة تحسن الأحوال الفلسطينية على المدى القريب ولا البعيد بشكل كافي , فمهما كانت تلك التحركات فهي لا تمثل لب القضية ولا الأشخاص المتفاعلين فيها و أصحاب القرار والممسكين بزمامها , فالجميع يدرك بأن رئيس فلسطين وإسرائيل وحليفتها الوفية أمريكا , كانت ولا زالت هي من صاحبة الحل والعقد أولا وأخيرا , وأن الجهود الأخرى لا تتعدى كونها دافعة لها نحو التقدم نحو في الخطوات التي تخطوها .
تظل الجهات الكثيرة/غير المؤثرة بشكل مباشر وقوي , صاحبة دور فعال يذكر حسب مواقفها في هذه الأزمة , ويظل الهدف الذي تحققه جيدا من حيث أنه يعالج الكثير من آثار الأزمة على الأقل نفسيا وإنسانيا , وحتى لو استغرقت القضية الفلسطينية تاريخا أطول فإن هذه التعبيرات من حين لحين ـ حتى لو نتجت عن تردي في الأوضاع ـ فإنها متنفس صحي , ودعم حقيقي للقضية وأهلها , وخروج بها من مرحلة أسوأ إنسانيا وعاطفيا إلى أخرى أفضل منها, وتبصير للناس أكثر بحقيقة مجاري الأمور ومآلاتها , وفتح أعينهم على ما غاب عنهم من تطورات كانت خفية في يوم ما قبل أن تتفاقم , وكان تفاقم الأمور دليلا عليها . وتظل تلك الأحداث مهما كانت مأساوية دافعة لفاعلية أكبر من الشعوب والجماهير والنخب ؛ وهذا ما حدث .
فكرة :
غزة ، اوباما ، حسني مبارك ، اسرائيل
جميعهم اطراف لمعادلة معروفة النتائج
غزة = امن اسرائيل
حسني مبارك + اغلاق المعابر = حب اسرائيل
اوباما + التفاؤلات بقومه = غباء واضح
وفي النهاية اوباما = سياسة امريكية لا تتغير بتغير الرئيس
فهي موضوعة والرؤساء ليسوا سوا ادوات
دمتي بود ………
نعم لا نراهن على الرؤساء في قضية فلسطين , لكن المشكلة أيضاأنه لا يوجد أيضا غيرهم نراهن عليه .. لذلك لا نقول إلا أنها لا تزال واقع وقدر لا تعرف إلى أين سيؤول , ومضطرين أن لا نأمل الكثير من التحسن في هذه الظروف .