
هل أثار فوز أوباما إشكالية العنصرية الأمريكية ضد السود من جديد ؟ سؤال ربما لم يطرح ولكن الإجابة كانت ” نعــــم “ فلون المرشح كان موضوعا مطروحا بشدة أثناء الانتخابات , وبعد ترشحه كان موضوعا أجمعت على أفضليته وأولويته الكثير من الجهات الإعلامية والأسماء الصحفية وكتاب الرأي والساسة والمهتمين , وكانت هناك قائمة أطول من المبررات لهذا التفضيل .
أحد الأسئلة التي طرحت كرد فعل للاهتمام بموضوع العنصرية في سياق الرئاسة الأمريكية , كان ذا علاقة بأحد أشهر المسلسلات الأمريكية , فلم الأكشن والدراما ( 24 ) الذي بدأ عرضه منذ عام 2001 ولا يزال يعرض وتتتابع مواسمه حتى الآن , وكان فيه ظهور لرئيس أمريكي أسود لم يكن البطل , وسرعان ما اغتيل وانتهى دوره , واستأثر فيه البطل الأبيض بالحياة ( جاك باور ) !
عد البعض ذلك الجزء من المسلسل الذي انتخب فيه رئيسا أسودا تنبؤا بما حصل اليوم من فوز أوباما , بل قاربوا بينه وبين الواقع لدرجة اعتباره تصويرا وإسقاطا حتى الآن , و على ذلك فلن يكون مبشرا لو استمر التشابه أكثر , و لن تكون حينها رئاسة أوباما شافية بعد رئاسات متعددة وطويلة للبيض , وانتظار أطول لرئيس أسود , حيث دور الرئيس الأسود في المسلسل ووصوله للحكم و المشابه جدا لما حدث مع أوباما , والظروف الأمنية والسياسية التي تولى فيها , قادت إلى اغتيال الرئيس ( بالمر ) سريعا وعجزه , وحين تلاحق الآخر ( أوباما ) فسنستيقظ من حلم الرئيس الأسود سريعا !
أحداث المسلسل بالفعل حملت شيء من التنبؤ بهذا الرئيس الأسود , إلا أنه يحق لنا الاستبشار بأن هذا التنبؤ لم يكن ولن يكون قابلا للإسقاط الكامل , فلم يُظِهر المسلسل ذلك القدر من الاهتمام والتركيز على قضية الرئيس الأسود من الأبيض أصلا , كما هو واضح من فكرته الرئيسة وأحداثه البارزة . ولكن المسلسل وغيره من الأفلام القصيرة والمتعددة الموضوعات قبل تعيين أوباما كانت وسيلة ثقافية مميزة من تلك التي يمتلكها هذا الشعب , مستغلا المساحة الإعلامية والتعبيرية المفتوحة للبت في قضاياه المختلفة , فكان من باب أولى أن تكون من ضمنها العرقية , وأن يحتل الجزء الرئاسي فيها محله , وهو الذي لا يزال شاغرا من الزعماء السود في تاريخه الطويل .
العنصرية ضد السود بشكلها ومستواها القديم الاجتماعي والشخصي وحتى الوظيفي والإداري, كانت بعيدة عن الطرح في المسلسلات والأفلام الأمريكية الأقرب زمنيا في إنتاجها , بل أخذت تُدرجها أحيانا موضوعا ساخرا من السود الذين تبقت لديهم النوايا السيئة بوجود كره مبطن لهم من البيض , بعد أن أصبح الكثيرين حتى من السود أنفسهم يقرون بانتهاء هذه الأزمة . وهذه الكوميدية الباردة إنما تعبر عما يحدث من خروج القضية في هذه المستويات الاجتماعية من مرحلة الاشتعال والغضب , بل إنه ومع تضاؤل العنصرية إلى حد كبير , انتقلت مطالب الأسود وتطلعاته إلى مستوى أكثر جسارة , من الرغبة في المساواة الكاملة والحقوقية الدقيقة , عوضا عن الاحتجاج على العنصرية .
حتى إن كانت الكوميديات الساخرة بالأسود المتمسك بفكرة المظلوم إلى الآن هي فكرة عنصرية بيضاء تريد كبته وإشعاره بالخجل كلما شعر بالظلم فعليا , فإن الأسود أخذ بالرد الأقوى بإثبات وجوده وحضوره في شتى المجالات , بل رسخت قدمه في مجال الفن اللامع قبل أن يصل إلى ذورة التألق رئيسا للبلاد . فقد كان باستمرار يتواجد ويبدع في المجال الفني غناء وتمثيلا , وكان معنى هذا التواجد والحضور بالنسبة له ليس فنيا بحتا , بل حمل في طياته إثباتا للذات الملغاة والتغلب على النفسية المنكسرة ـ التي تخلقها العنصرية عند الأقلية ـ بعكسها من البروز والظهور المتميز .
لا يمكننا مع كل هذا تجاهل الكفاح الأسود في الفن كأحد الكفاحات في سبيل انتزاع المكانة , فقد ظهرت أيضا بأشكال أخرى , وبطرق قوية تلفت الأنظار . وقد كانت أحد هذه الأشكال هي ما عبر عنها ( هنري لويس غيتس جونيور ) رئيس برنامج الدراسات الأفريقية الأمريكية في هارفاد , في كتابه ( أمريكا خلف حدود الألوان ) , فقد صرح بأن “ الممثلين السود في هوليود يعيشون أوج عطاءاتهم في عالم السينما والتلفزيون ” , وأنه ” لم يحدث أن وجد هذا العدد من الممثلين السود على لائحة الدرجة الأولى “ وكلامه هنا يشير إلى نجاحهم حتى في اختيار خطوات النجاح وطريقته , وهي في الصعود السلمي طويل المدى , مما يكفل نجاحات أكبر وأرسخ , الأمر الذي يظهر جليا في هذه المرحلة المتقدمة التي تحدث عن وصولهم لها .
كما كان ظهور السود في هوليود نوعيا في تقدمه التصاعدي , وخطواته المتتابعة والناجحة , فلقد كان لديهم ظهورا اتسم بصفة القوة أيضا , وكان الأبرز والأشد تعبيرا عن نفسياتهم الواثقة , وأرواحهم الوثابة لإثبات الخصوصية , بعد إثبات الذات في الأطر العامة والجماعية المختلطة بالأغلبية البيضاء . إنهم يعلنون من خلاله بأنهم يتميزون أيضا كأقلية لا تقبل الانخراط الكامل والتميع في المجتمع الأمريكي الأوروبي . ذلك الظهور القوي نراه اليوم فيما يطلق عليه ( موسيقى السود ) التي اختصوا بها ضمن فروع موسيقية متعددة شهدت تفعيلا وتطورا في الوسط الفني الأمريكي عموما على نطاق واسع , لكنهم أبوا إلا أن يضيفوا إلى اندماجهم العام أشكالا من الموسيقى والغناء , تقوم أساسياتها على إيقاعات من صميم اللكنة السوداء في اللهجة الأمريكية ! وتناسب الرقصات السوداء , والحركات السوداء , والذوق الأسود … والكثير مما هو من طبعهم وميلهم الخاص .
نعم كان هناك تنبؤا فنيا برئيس أسود , وفي إطار أمريكي غالبيته بيض , وربما لم يتخلص من عنصريته تماما , إلا أن الأهم أن الأسود فعليا أثبت نفسه , ورسم طريقه , ولم يأبه هل نقلت السينما أو المسلسلات الكثير من ذلك أو حتى شوهته , فالمشكلة مشكلته والهم همه , وقد انطلق من هذه النقطة جاعلا أحد مبادئه هو عدم الالتفات للمشاكسات الصغيرة وانتزاع الاعتراف بحقوقه من الآخرين , مادام مؤمنا بها قائما عليها بنفسه . وقد كان ظهوره الفني رمزا وتعبيرا عن ثقافة أقلية خاضت ظروفا وتحديات كثيرة , فكان لها أن حققت حلم الأقلية وأكثر , من إثبات ذاتها ووجودها , ثم خصوصيتها وتميزها , ثم مساواتها الدقيقة بالأغلبية .. في مستوى عالٍ من الحقوق .