حل مشكلة العنوسة وغلاء المهور بواسطة العضل !

 قبل أيام نشرت قصة فردية في جريدة عكاظ , وصفتها الصحيفة بأنها مبادرة لحل مشكلة العنوسة , يقول فيها والد الشابة بأنه ” حرصت على اختيار زوج مناسب لابنتي؛ فيه من الصفات الحميدة ومكارم الأخلاق ما يجعله يقدر موقفي، بما ينعكس على ابنتي بحسن التعامل وطيب المعشر. أريد أن تذهب ابنتي إلى بيت زوجها وهما سعيدان؛ لا تثقل كاهل أحلامهما الديون ” . ويكمل بأنه قرر تزويجها بمهر 5 ريالات ! وأنا أتسائل هنا أين رأي الفتاة وموقفها في الموضوع , ومن تكون سوى ابنة ذلك الرجل , الذي اختار لها كما يصرح , واختار لزوجها الراحة كما هو واضح , دون أن يسأل عن ابنته بالعاطفة والعقل وليس الملكية والتضحية , وما هو رأيها وشعورها حيال الأمر , وبالطبع لن أتوقع أن الابنة زوجت قسرا وعضلت , ولكن أرى بوضوح أنها سلبية ومهمشة تماما في الموضوع .

 

رجل بسيط وشعبي , يبدو لي هذا الرجل , وعندما أحاول استخدام قصته نقديا فإني أشعر بأني أستخدم معايير لا ينتمي لها , ولكن أصدم تماما وأنا أعرف قصة شعبية انتشرت بين الناس , عن رجل زوج ابنته بريال , وكانت ردة فعل الزوج أن أصبح يقول لها ويعيرها طوال العمر , بأنها تساوي علبة بيبسي ! وهي قصة رمزية وشعبيا صنعت وعيا لدى الفتيات والأهالي , الذي يبدوا أن هذا الأب لم يكن منهم , ومع أن القصة قديمة والحملات والمشاكل توالت في موضوع الزواج لدينا على المستوى القضائي والاعلامي والصحفي والاعلام التفاعلي والانترنت والفيسبوك والمنتديات في السنوات الأخيرة , وكان أشهرها حملة ” خلوها تعنس ” و ” خلوه عزابي ” إلا أن الحملات تلك كانت شبابية بحتة وكلامية , لم يتم مواجهة وطرح المشكلة في الواقع المتعلقة بالأهالي والمجتمع , والتي تتجلى في سلوك هذا الرجل , الذي يفرض على ابنته مثل هذه الحلول .

 

لا تزال هناك مشكلة في موضوع الزواج بين الأهل والمجتمع , وبين الشباب , ضحيتها هم الشباب من الجنسين , الذين لا يبلغون سن الاختيار والقرار مهما بلغوا , من الرجال أنفسهم قبل الفتيات , فالرجل ابن قبيلته وأسرته , ومحددة له الطريقة والمساحة التي يتزوج من خلالها , الفتيات مفروض عليهن الزواج بأي طريقة ـ من الطرق الفاشلة حتما بسبب اعتمادها على الأب والأخ ومعاييرهم ـ والتخلص من العنوسة , و الشباب مفروض عليهم عدم الزواج سوى بطريقة الأهل , ولا بأس قبل ذلك أبدا بالعزوبية على الطريقة الغربية بكل انحلالاتها , ولا مانع لدى الكثير من الأسر والقبائل أن يقضي أبنائهم فترة الضياع والعلاقات والعبث بكافة أشكالها , ما دام في النهاية سيتزوج المرأة التي تناسب العائلة والمجتمع ومعاييرها ويحل مشاكل هم مسئولين و مفتعلين لها , إما أن يحل مشكلة عنوسة ابنة عمه هو الآخر , أو يحل مشكلة بطالة ابنة الجيران ويدفع لها بعد أن يبلغ المستوى الوظيفي والمادي الكافي .

 

من الواضح أن المجتمع يصنع عدد من المشاكل من خلال نفس الحلول والقواعد العشوائية التي يسنها , والقانون يدعم ذلك ويدور في فلكه مباشرة , فالقوانين في الزواج من الخارج والاجانب صارمة , كما هي بين القبائل في اختلاف النسَب , وحتى التناسب والطبقة بين فخذ أو ضلع أو جذع القبيلة الواحدة ! وليس عجيبا أن تكون الحلول أو المشاكل قائمة ومتسلسلة , لأنها ترتبط بعدد من المشاكل التي يتورط فيها الجميع , وليس لديه الاستعداد لحلها من جهته , وبدل ذلك يصدرها لغيره , فمشكلة العنوسة والمهر , مرتبطة مباشرة بمدى استعداد المجتمع والمسئولين لتوظيف المرأة , والمرأة نفسها لم تبدي المبادرة بالتنازل عنه في حالة حصولها على الوظيفة , بينما الغير موظفة والبسيطة يمكن أن يتنازل عنها والدها لكي يؤدي ما يعتبره مسئولية تجاه رجل غريب خطب ابنته وتجاه المجتمع والمسئولين !

 

الطمع المادي موجود ومتفشي لدى النساء , وهو أمر تناولته كثيرا بالرغم من نسويتي التي يعتبرها البعض متطرفة وأصيلة , وحركة حقوق المرأة والمطالبة بها , لم ترافقها مجموعة من التنازلات عن المنح التي نالتها بسبب عدم وجود حقوق وعلى رأسها المهر والنفقة مقابل المكوث في البيت , وهي قاعدة فقهية معروفة عند بعض العلماء , وأن المرأة مقابل ذلك ليس لزوجها حق إدارتها في عمل المنزل وإلزامها به , وهي قاعدة عقلانية ومريحة جدا , وعملها فيه دون الرجل الذي يشاركها فيه وقد تشاركه في العمل الخارجي , تنازل يجب أن يقدر ويخلو من الإدارة والتحكم بها من خلاله , ولكن أيضا هذه الاتفاقات والتنظيمات لا تناقش ولا توضع في الحسبان , وكل المشاكل لا تحل بالاتفاق , بل مبنية على الطمع والتكسب سواء كان جنسيا من الشباب , أو ماديا من الفتيات , أو بعض الخطوات الرمزية من الأهالي والمجتمع والجهات الرسمية دون أن يقدموا التغييرات الجذرية المنوطة بهم .

 

المطالبة بالحقوق الخاصة بكل فئة , دون الاعتراف بالمكاسب الموجودة , والثغرات التي تركت وتم استغلالها , هو حيلة الجميع , فلماذا تتحدث المرأة عن المهر والمبالغ الفلكية التي تأخذها وفوقها النفقة أو على الأقل النفقة على الأبناء الملزمة على الزوج والأب حتى اليوم ,  ولماذا يحتج على ذلك الشاب نفسه وهو لديه القدرة على إشباع رغباته الجنسية بمقابل مادي رخيص جدا , ولا يهمه الزواج كله , والكل يسير على قاعدة وظاهرة ” خلوها وحلوها ” من الحلاوة وليست الحلول والمسئوليات الموزعة والمشتركة , دون أن يدرك أحد أن هذا سبب خسائر حقيقية , وكلها فترات مؤقتة من الحرية من الصرف أو الاستنزاف المادي و الجنسي , تصطدم بالواقع بشدة , فالشابات بكل ثقة يعتقدن أن خلوه عزابي هي كلمة جارحة وتعني شيء للشاب وليس العكس , كما أن خلوها تعنس يفرح بها الشباب وكأنها لا تعني أن أموالك الطائلة وحريتك كلها ستنتهي عندما يفرض عليك حل عنوستها وبطالتها وتقديم فحولتك عند الزواج .

 

من الطبيعي أن تكون الفتاة سلبية وحائرة في الحالات التقليدية , لأن المهر كله إهانة مادام مقابل الجنس والانجاب , وضرورة الزواج لأن العنوسة عيب , هو إهانة كذلك , ولكن قد تكون متصالحة معها , مع أن المرأة الحديثة مهما كانت منغلقة فإن المرأة الأقدم بكثير منها حين تريد الحرية بحق , فهي تتمنى أن تدفع المال مقابل أن تعتق رقبتها من سيدها الذي يحل له منها الجنس والجسد والعمل والانجاب , على عكس الرجل الذي يملك جسده بالعمل ويحرر بالمال , ولا تنتزع روحه بالعبودية الجنسية والتبعية المادية , ولو قسنا على ظروف وواقع المرأة السعودية والعربية اليوم , لقلنا بأننا نتمنى أن يكون نجاحنا وتقدمنا الوظيفي دون أي قيود مقابل عدم الالزام بالزواج والانجاب , ومقابل الزواج عن اختيار وحب وتقييم خاص بنا , وليس اختيار الأب والأخ الوحيد المتاح بسبب خبرته وحريته الاجتماعية , أو التنازل لمطامع الشباب الجنسية مع خسائر ومكاسب ضئيلة للجميع , كما نشر قبل أيام كذلك , ووصف بأنه انحراف للفتيات بسبب العضل .

هل يعرفون عن أي تبشير يتحدثون ؟

يعتب العقل الإسلامي لدينا على كل من ينتقدوه , ويحول الأمور دوما إلى أمور دينية عقدية يهيج بها جماهير الناس , لكي يفلت من النقد وتبعاته , و حين يحاول غيرهم التشكيك بهم عند جماهيرهم , من خلال أدلة منطقية , فإنهم يعقدوها على كل بساطتها , ويعتمدون على عدد من المسائل المعقدة الوسيطة , التي تربط بينهم وبين جماهير الناس / العوام كما يسموهم , لكي تظل هذه العقول تابعة في كل ما تأخذه , حتى المعلومة الأساسية لا يتم التجرد فيها والتأكد منها , ومن ذلك يمررون ما يشائون , من غير أن يوضعوا في الميزان العلمي والموضوعي , الذي يبدأ أولا من التأهل العقلي والفهم , والأمانة النقلية في الاطلاع على ما هم بصدد الحديث عنه . وليس ذلك هو العقل الإسلامي والديني لوحده لدينا , بل كذلك فإن العقل العربي بكافة انتماءاته يرفض نقد الآخرين ويحوله إلى صراع وتشكيك وانتقاص منهم , في نفس الوقت الذي يفتقر إلى النقد الذاتي من داخله مع ثقة مطلقة واستغناء تام عنهم  .

وحينما يخرج مفكر مثل الجابري ناقدا للعقل العربي , أو محمد أركون ناقدا للعقل الإسلامي , ويكون على اطلاع وصاحب ذخيرة معرفية وتخصصية كبيرة جدا , إضافة إلى تفوق عقلي وفلسفي , فإن كل استنتاجاته ودراساته وملاحظاته وثقافته الثرية الجوهرية , يتم الترهيب بها والرمي بها عرض الحائط , بل محاربته وتكفيره واتهمامه بالعلمانية اللادينية في أسوأ الأحوال , أما أحسنها  فبحجة مثل عدم تخصصه بالعلم الشرعي , والسبب الحقيقي هو أنه ملم بالعلم الشرعي وزيادة , ولكن الزيادة في العقل الإسلاموي , تعني دائما النقصان , الزيادة في العلم , أو الوعي , أو الاطلاع , دوما ما تدرج تحت الغزو الفكري والضلال , وتتم حمايتها بذلك السياج الذي يسميه أركون بالدوغمائي المغلق , ويقدم لأصحابة المبرر بالبقاء في ثبات مطلق ودائم , يبدأ بمراجع ومرجعيات تشبههم كثيرا وتحقق بقائهم وامتداد سلطتهم الدينية السياسية , وينتهي بذواتهم ومقولاتهم الخاصة , والبعيدة عن كل علم ودين وموضوعية .

حينما قرأت لأركون لم أجد أن في دراساته ومقولاته شيء غريب أو جديد في نقده للعقل الإسلامي , فكثير مماقاله يمكن ملاحظته ببساطة , دون أدنى جهد دراسي , وما لفت نظري لديه هو نقده الآخر للعلمانية والإلحاد والعلمية المادية البحتة , وهو أمر لا يكاد يشهره أحد به , خاصة بعد أن توفي ـ رحمه الله ـ و ضاع صوته الواعي مع الأصوات الواعية الموجودة بين ضجيج الصارخين والمشوهين , وهي قاعدة فكرية أطلقها مفكر إسلامي وناقد للعقل الإسلامي كذلك , هو المفكر الدكتور عبد الكريم بكار , إلا أنه كان أكثر حظا من أركون لدى الإسلاميين , ولا أظن لسواد عينيه ولا حتى طول لحيته , وإنما لغياب الحجج والمبررات الشائعة التي يتذرع بها الإسلامويون , وهي عيشه في الغربة ودراسته وتدريسه فيها , إضافة إلى كونه مغربيا لا مشرقيا شرقيا خالصا , وملوث بالفلسفة المغربية التي نبذت منذ زمن طويل بسبب عقلانيتها وفلسفيتها وتجردها عن ما يدعوه الجابري بـ ( منطق الأعراب ) .

لفت نظري هذه المرة مثال بسيط صارخ , على قصور العقل الإسلامي في الفهم , أو قصوره في الأمانة العلمية والدينية , أو كلها معا . من خلال اطلاعي مؤخرا على قناة فضائية ضمن مجموعة قنوات ( النايل سات ) باسم ( الملكوت سات ) وحينما فتحت القناة وشاهدت نموذج من برامجها , وجدت بوضوح شديد بأنها قناة ملحدة / مسيحية , وتعجبت بالفعل من وجودها ضمن قنوات عربية وفي قمر النيل سات , ولكن قلت بأن الإعلام لدينا ربما وصل لدرجة الحرية , وحققها من خلال سماحه للجميع بالتعبير عن قناعاتهم وإنشاء قنواتهم , دون أن يكون السلاح هو الحجب والمنع , خاصة وأنها مسائل فكرية وليست إباحية أو غريزية ينقاد لها الانسان قسرا . ولكن بعد ذلك بمدة قصيرة جدا , أخذت الأخبار تنتشر عن إغلاق النيل سات لعدد من القنوات الدينية والإباحية كما سمتها , مع أني لا أعرف أن هناك قنوات إباحية على هذا القمر , الذي أفتح قنواته باستمرار , دون أن أجد أي أثر لهذا الادعاء بالإباحية !

قبل قائمة القنوات الأخيرة الموقوفة والتي من الواضح أنها دينية في الغالب , كنت قد بحثت عن نتائج عربية تعلق على قناة ( الملكوت سات ) التي اكتشفتها مؤخرا , ولم أجد سوى مواضيع من نوع إدراجها ضمن القنوات المسيحية من فئة ربما محايدة أو مسيحية عربية , أو إدراجها ضمن ما يسمى بالتبشير / التنصير والضلال , من قبل الإسلامويون , ومن ضمن ذلك خبر يقول بأن هناك جدل دار بعد افتتاح أخرى شبيهة بين الإسلامويون وصاحب القناة المسيحي القبطي , صرح فيه الأخير بأنه افتتحها لـ ” التخفيف من حدة التدين الزائدة في المجتمع “ وهذه هي الجملة الوحيدة الموضوعية الواعية في وصف القناة والتي تعني ما يسميه أركو ن بـ ” الأشكلة / التشكيك ” , والتي يمكن نقدها ولكن بناء على حقيقتها , ولكنها ألغيت باختصار و أغرقت بضجيج الإسلامويون , الذين لم يفهموا حتى أن القناة بوصفها ملحدة / مسيحية , فهي قناة ساخرة من الإيمانيات والأديان , ومتخذة للمسيحية مثالا ونموذجا وحيدا , من باب النقد الذاتي من المسيحيين , وحتى دون أن يعتبروا أنفسهم غير مسيحيين , وهذا فرق آخر بين الملحد العربي الشائع والغربي .

القناة أغلب برامجها ، هي مدبلجة عن عدد من البلدان الغربية , ويتحدث فيها مقدميها بصفة ” نحن المسيحيين ” قبل إطلاق النكات حول النصوص الموجود في كتبهم , ومقارنتها بالعلم والعقل والمنطق والحداثة , وكل ما تُنتَقد فيه الأديان , من وجهة النظر العِلمانية و الملحدة . وقد سبق المفكر الراحل أركون بقوله بأن التعريف بالانتماء للدين لا يعني دوما التدين , وهناك انتماء يعني الوراثة , ولكن لا يعني كذلك أن الوراثة والتوريث هي قسرية وإجبار وظلم للأطفال وتخريب لعقولهم , كما يصرح الكثير من العلمانويون المتطرفون , وهذا الانتماء هو ما يبدو أن المسيحي الأمريكي والغربي الملحد والعلماني يعترف به , دون أن يبالغ في ردة الفعل تجاه الدين , أو يرفضه بكامله ويتبرأ منه , ويبرأ نفسه من التأثر به بطبيعة الحال , أو وجود جانب روحي / عاطفي / نفسي / خيالي لديه , وهو الأمر الذي يسميه أركون ( المتخيل ) الانساني الذي يجعل الدين أمرا إيجابيا وضروريا كذلك , وإن كان لا بد من معالجته ونقده .

في الجانب الآخر , وبعيدا عن تصريح صاحب القناة , وكذلك عن تصريح أصحاب البرامج في القناة , يصر الإسلامويون على تغيير حقيقة الأشياء ومعانيها الدقيقة والموضوعية , فيصفون القناة في بداية انطلاقها بـ ( التبشيرية ) بل الموجهة للمسلمين ! ويريدون حجبها , وهو وصف عجيب لقناة على العكس تماما من التبشير بالدين وبالمسيحية , فهي تبشر بالإلحاد جملة , و تنتقد المسيحية تفصيلا , ولا تجعل الإسلام أو الدين بمجمله موضوعا لها . وبعد أن تم قطع البث الأخير على القنوات الدينية الإسلاموية , أعاد أحد هؤلاء الكتاب العتب والمقارنة , بأن هناك قنوات ( تبشيرية ) لا تزال مفتوحة على قمر النايل سات , مقابل إغلاق القنوات الإسلاموية     , و لا ينسى من ضمنها قناة ( الملكوت سات ) المذكورة والموصوفة . ومن خلال هذا المثال الصارخ , يتبين تخبط وازدواجية العقل الإسلامي وانغلاقه على واقع الظاهرة الدينية المسيحية والعلمانية الملحدة الغربية , بالرغم من أنه يدعي الحرص على الدين الخالص , و يحاول الحفاظ على حقه ونصيبه فيه , من خلال المبادئ العلمانية واللبرالية مثل حرية التعبير و المساواة بين الأديان , و لكن بواسطة لبرالية وحرية متطرفة منه يريد فيها منع الآخر من التعبير , ثم يعتب ويريد حرية التعبير له وحده بمطلق حدودها !

لا أؤيد أبدا سياسة الحجب والإغلاق في الآراء والمسائل الفكرية , وما أراه بأن النيل سات قد خصصت الحجب والإغلاق على القنوات الإسلامية دون غيرها , وإن كانت أضافت له مبررا يوحي بأنها ليست لوحدها أكاد أجزم بأنه كاذب , وهو وجود قنوات إباحية على القمر ! ولكن يبدو أن النيل سات واثقة أنه لا يوجد  محايد ينبذ العنصرية تجاه الإسلامي في حرية التعبير , مقابل السماح لقنوات دينية أخرى أو لا دينية , قد تكون على نفس الدرجة من التطرف , وكما قال أركون أيضا , بأن مسائل التحريض والتمييز لا تعالج بالسياسة حوارا أو حجبا بل بالثقافة والنقد الذاتي والاعتراف بالآخر , وإلا فإن المصالح الاقتصادية والسياسية تسمح لفئة وتهمش فئة . وفي هذه الأثناء والأيام , يحاكم اللبرالي المتطرف خيرت فيلدرز صاحب فلم ( فتنة ) بتهمة كونه محرضا ضد المسلمين , ولا يبدي الإسلامويون اهتماما كما أبدوه عند ظهور الفلم , لأن سبب ومحور الاهتمام هو إشعال فتنة وتحريض كذلك على الآخر الغربي واتهامه بالجرم المشهود والحكم السريع عليه , كما يفعلون الآن في التصارع مع إدارة النيل سات , لأن المطالبة ضمن مبادئ علمانية ولبرالية تتطلب إيمانا بها واعتراف بالآخر و مبادئه , وهو أمر غير موجود لدى المتطرف الذي يجمع تطرفات جميع التيارات دون مبادئها العادلة والمعتدلة .

الهولندي صاحب الفلم , من الناحية السياسية الفكرية , كان عضوا في حزب لبرالي ديمقراطي معتدل , ولكن تطرفه جعله ينفصل مكونا حزبا يحتوي على حقوقه الخاصة والمطلقة على طريقة الاسلامويون المطالبين بحرية التحريض ! باسم مبدأ واحد من مبادئ اللبرالية هو ( الحرية ) بما يلغي بقية مبادئ العدل والمساواة ويعكسها , و على هذا الأساس يحاول تبرير فلمه وآراؤه في المسلمين والمهاجرين , التي يحاول فيها التخلص منهم والتحريض ضدهم هو أحد الوسائل , وهو ليس لوحده الذي يشكل ظاهرة التطرف ضد المسلمين والعرب الذي لا يقتصر على الأحزاب الدينية اليمينية , بل يمتد للبرالية المعتدلة والعلمانية اليسارية في الغرب . وكل هذه المسائل لا تعني الإسلامي والعربي لدينا , ولا يقدم التوعية بها وبأخطارها , لانشغاله بمشاكله وصراعاته الجزئية وجدله البيزنطي الداخلي , بينما يحصل في الواقع والسياسة أن يخسر مكاسبه وحقوقه , التي لم يحاول حتى التعرف عليها , والمحاجة على أساسها , وحتى كيفية ومبررات المطالبة بها المتعددة , والقائمة على التعددية والاعتراف بالآخر المعتدل في الداخل والتكامل معه والاستعانة به والانتماء له ؛ وتلك مشكلة غير بسيطة تحدق بواقعنا العربي والإسلامي وتشكل سببا وجزئا كبيرا من مشاكله الكبرى !

 

أحدثكم عن قراء يقرّون لا يقرؤون !

كتب الكاتب بجريدة المدينة ” طريف السليطي ” مقالا بعنوان ( أحدثكم عن كتاب لا يقرؤون ) وقد لفت نظري المقال من عنوانه , فأنا على رأسي بطحة حول قلة قراءتي المدرسية وكثرة  كلامي عن الواقع والحياة والتجربة أولا بأول و قلة كتابتي النظرية , ولدي تحفظ قديم على القراءة المكثفة , وتكثيف مفهوم ضرورة القراءة ومركزيتها . مع ذلك فإني أقرأ من حين إلى حين , ولا أنقطع عن القراءة أبدا , وأطلع بانتقائية شديدة , أولها أن يشدني العنوان بموضوعه ومضمونه الذي يتحدث عنه , على أن الكثيرين يتقنون صنع عنوان جذاب , حتى لو كان الطرح على غير ذلك , وفي كل يوم يجذبون القراء بنفس الطريقة , على كثرة التكرار والزن الذي يتمتعون به ويبدعون فيه ! ويبدوا أن الزميل الكاتب يقرأ للكثير منهم بالفعل كما يقول في أول جملة من مقاله , وإن كان أوعى من أن ينشد لمجرد العناوين , ولديه رؤية نقدية أتفق معها حول الكتابة الصحفية السطحية , وتكاثر كتابها وأسلوبها , وأتفق مع الكاتب في عموم مضمونه تماما , إلا أني أردت إضافة بعض التفاصيل عليه , والاختلاف معه حولها .

 

يقول الكاتب بأن نموذج وصورة تكثيف الجامعات والمباني من مثل بناء الكثير من المساجد دون وجود الكثير من المصلين , يختلف ويقابل ضرورة تكثيف المكتبات , والأهم وجود روادها , و هنا أرى أن تكثيف المكتبات وكذلك تكثيف القراء من روادها , أيضا سيؤدي لنفس النتيجة , وأريد التركيز على نقطة عرج عليها في مقاله , وهي أن المهم ليست القراءة التقليدية وإنما الجوهرية غير السطحية وللكتب الغير سطحية وليس فقط للكتب بل الدراسة العقلية , و لكنه استثنى منها متابعة وقراءة الأحداث أولا بأول , إضافة إلى عدم إدراج الجامعية والمدرسية في هذه القراءات التي نتطلبها ونريدها , وأظن بأن القراءة المدرسية والجامعية هي نوع جيد جدا من القراءات على عكس ما يعمم , ولا يعيبها سوى أن تكون في المدرسة والجامعة النمطية لدينا , و في صورة تلقين وتأكيد غير عادي , يجعل الطالب يتوقع ويستنتج أن العلم ينتهي والمعارف الأساسية يحيط بحدودها المرء عندما يتخرج من المدارس , والتخصص والخبرة بعد التخرج من البكالوريوس , وما بعده يعد ترفا معرفيا .

 

هذه هي القراءة التقريرية التي أنتقدها وألحظها لدى الكثير من القراء النهمين , فكل قارئ منهم لديه هوس بكاتب أو كتاب أو تيار أو شخصية معينة أو توجه فكري , وكأن المعرفة تنتهي عنده , و ينظر بعده لجميع الأحداث والكتابات من زاوية هذا الكاتب ومن خلال تصنيفه لنفسه كقارئ منتسب / منتمي أبدا , ولذلك فإن كثير من هؤلاء ألحظ لديهم ندرة وقلة في الكتابة الإبداعية والاستقلال الفكري والتحليل الشخصي , وتتمحور كتاباتهم حول تأكيد وتقرير ما قرأوه وتشجيعه والدعوة إليه , و لتكثيف دور ومفهوم القراءة التقليدية و تجميع القراءات التحليلية الجاهزة , دور مهم في تكوين هذه القاعدة الكبيرة من القراء / الكتاب , وغياب الكاتب / المحلل / المبدع , وهذا المفهوم يؤكده كاتب المقال , انسياقا مع رمزيته وتأكيدا لها , كما يحصل من جراء القراءة التقليدية التي ينخرط فيها هو الآخر , فهو لا يقدر قراءة الأحداث قراءة متجردة , والتغير الطبيعي الذي يتبع القراءات التي يطيب لي تسميتها بالحداثية , التي تبدأ من الحدث زمانا ومكانا في الحاضر , وتنتقل معه كذلك زمانا ومكانا وطولا وعرضا من الحاضر للمستقبل , مما يعني ويؤدي إلى حركة وتغير وواقعية وتحرر في الفكر والقراءة معا .

 

ما أنتقده أيضا على المقال المذكور هو الجزئية التي وصفها ناقدا بالمدرسية , والتي أظن أنها تمثل جانبا إيجابيا مهما كذلك , وجد في المدارس , بمعناها التقليدي الذي يعني المراحل الدراسية قبل الجامعية و الثقافي الذي يطلق على التوجهات والتيارات الفكرية , فالمدرسة التقليدية يوجد فيها جانب محايد جيد , من خلال نقلها للحقائق المجردة والمتجردة عن المدارس الفكرية التي تتبع كل منها طريقة في تحليل هذه الحقائق والاستنتاج منها , ثم تأتي مكانة المدارس الفكرية مع ضرورة التقدم في الوعي بنسبيتها ؛ فالمدرسة التقليدية الحقائقية مرحلة ممتازة من الناحية الزمنية , ومن الناحية المكانية في عقل الطالب , الذي تقدم له الحقائق المتفق عليها ولا يصبح مدرسيا ( سكولاستيكيا ) يلقن وجهات نظر مختلف عليها , و حقائق نسبية في شكل وأسلوب يظهرها بمظهر الحقائق المطلقة , وفي عمر ومرحلة متفرغ فيها العقل لاستقبال وتصديق ما يقرب من الحقيقة واستيعاب محدود لمفهوم النسبية الكبير , الذي يوجد حتى في العلوم المادية والعلمية بل في علم ( الفيزياء / المواد ) , و الذي أشتهر أحد أكبر علماؤه ” آينشتاين ” بتأسيس نظرية سميت باسم المفهوم ( النسبية  ) وأسس له حتى من الناحية المادية التي ينحسر فيها هذا المفهوم , خاصة بالنسبة للعلوم النظرية والفلسفية .

 

ما يدعوه الكاتب الفاضل في مقاله بـ ( القاعدة الصلبة ) للقراءة , أتفق معه في ضرورته , وأختلف معه حول هذه القاعدة ونوعيتها , فأنا أظن بأن الحدث المجرد والحقيقة المتفق عليها , هي أكثر ما يجب أن يقرأ وتكون فيه قاعدة معرفية وعلمية , وما يبقى يكون دور الكاتب والكتابة , في التحليل والاستنتاج والإبداع المستمر ؛ وكثرة القراءة للكتابات والدراسات التحليلية , أدت بالكثيرين إلى تمجيد دراسات هي بمقام ومفهوم التجارب , والتي يجب أن تستمر وتختلف في كل مرة وقيمتها في كونها تجربة جديدة , ومن الخطأ الفادح تكريرها أو ادعاء إمكانية ذلك , فكثيرا ما يكون فيها جانب ذاتي وبصمة كبيرة بحيث تناسب صاحبها لوحده وتمثله . ويكفي من التكرار تراود الأفكار دون قراءة ونقل ومرجعية , كما أنه ـ أي التوارد دون نقل ـ يؤكد صحة الفكرة الموضوعية وينزع عنها الذاتية , أكثر مما يؤكدها ترديدها دون فحصها وتجربتها ذاتيا . والتكثيف من القراءة لكتاب كبار سنا وفكرا أصحاب تجارب صقلتهم , وتقليدهم دون خوض نفس التجارب والظروف الواقعية , هو أكبر إعاقة للفكر النامي لدى الكثير من كتابنا الواعدين من الشباب .

 

 

 

 

 

 

 

تفاح و طماطم !

 

 لا أظن بأن أكبر مشكلة نعانيها هذه الأيام في اقتصادنا المحلي هي سعر الطماطم الذي يقترب من المائة ريال ! و لكن من الطريف أن الطماطم بالذات يتم استخدامه في الأدب والفن بشكل ساخر , فحينما يخيل إلى كاتب كوميدي أو كاركتوري أن هناك شخص تعيس الحظ فإنه يجعل الجماهير ترميه بالطماطم , مع عدد من الخضار والفواكه الرخيصة , والتي لم تعد كذلك كما يبدو , ولكن يظل الطماطم مفهوم ومعنى ساخر وطريف , خاصة مقابل التفاح , والذي له علاقة أيضا بالثراء والازدهار الاقتصادي , ومن ذلك كانت مدينة نيويورك بناطحاتها وأبراجها هي المدينة التفاحة .
 
ولكن برج التجارة العالمي في المدينة التفاحة قد تهاوى منذ عشر سنوات , وقد تحملنا كمسلمين وعرب ثمن هذا السقوط الهائل , بالرغم من أننا شعوب طماطم ضعيفة وهزيلة , وحينما تفاجأنا الطبيعة بأمطار أو فيضانات , فإن مدننا تتهاوى وأقاليمنا تغرق , ومحاصيلنا القمحية تتبدد , على عكس المحصول الروسي الأشقر الذي حينما تفكر الطبيعة أن تحرق جزءا منه فإن دول العالم وشركاته المستوردة كلها عليها أن تدفع ثمن احتفاظ روسيا ببقية محاصيلها الغالية ولا تفرط بها , ونحن كذلك دول لا تقدم التفاح ولا تسيطر على المنظمات الانسانية العالمية , ولكنها تقدم الانفتاح وتوزع أساسيات الطماطم للعالم أجمع , دون منة أو تراجع .
 
بالرغم من مشكلة غلاء الطماطم لدينا , فإنها تبدو مشكلة طريفة من الناحية الدولية , أمام تداعيات الأزمة العالمية التي أصبحت تشكل أزمات كبرى لدى دول العالم المتقدم , و الذي كان قبل ثمان سنوات من الأزمة خاصته في انهيار اقتصاده , يسرب لنا ويصدر لنا مشاكله من خلال رمز مركز التجارة العالمي , بينما كان يتهيء هو للانحدار الاقتصادي بجدارة ؛ وبينما يحاول الأمريكيين إحداث بلبلة حول انتساب باراك أوباما للمسلمين , فإن رئيسا مسيحيا يمينيا متطرفا من قبله تزامن في عهده حدوث الأزمة الاقتصادية وسقوط أبراج التجارة معا , وانتهت ولايته بتراجع شعبيته ورمي الطماطم في وجهه , وليس فقط العرب هم قليلي التهذيب الذين رماه أحدهم بالحذاء !
 
مظاهرات هنا وهناك حول خطط التقشف , وطوابير من المتقدمين للوظائف , وتصريحات عن موظفين خسروا وظائفهم , حتى من بين النجوم في هوليود الذين يحصدون ميزانياتهم وأرباحهم عالميا , وحتى إسلاميا وعربيا , وحتى في وكالة ناسا الفضائية التي تم رفع ميزانيتها من البنتاغون مؤخرا حسب تصريحات صندوق النقد الدولي , بينما يصرح باستعداد المملكة وتهيؤها لمواجهة الأزمة العالمية وإيجابية آفاقها الاقتصادية , بينما بلد منتظر الزيدي بفراغه السياسي وتهرب الأمريكي بعد الدمار الذي أحدثه فيه , يسجل ارتفاعا في احتياطه النفطي ؛ وبالرغم من الفوارق الواضحة والثابتة بين الدول العربية والإسلامية , من جميع النواحي , بما فيها الناحية الاقتصادية والسياسية والتنظيمية , إلا أن جانب الطبيعة والقدر والصدفة وعبثيته يحول ويغير في كثير من الموازين .
 
بالرغم من النزعة المادية والعلمانية والتنظيمية والديمقراطية  , في ثقافة وسياسية وإدارة الدول الأوربية والولايات المتحدة , إلا أنها يحصل أن تتلاشى وتعجز , وتتموضع كمجرد هدوء يسبق العواصف الهوجاء ؛ بالرغم من أن بوش كان رئيسا منتخبا إلا أنه كان أهوجا ومتطرفا , وبالرغم من أنه ليس ساحر إلا أن سحره انقلب عليه وعلى بلاده وشعبه , وبالرغم من أن أوباما بريء من سحر بوش إلا أنه يدفع ثمن أفعاله , وبالرغم من عدم وجود أي رابطة نسب أو نسبة بينه وبين سابقه , ولا حتى في الحزب , إلا أن الشعب الأمريكي اختلطت عليه الأمور , وبالرغم من أنه لم يختر سارة بالين للفوز بمنصبها التي ترشحت له مع أوباما , إلا أنها كانت ذات أقوال شعبية بالنسبة للمتطرفين , و المحتجين الكثر والغير منفتحين على حق للمسلمين في إقامة مسجد تفاح * في مدينتهم التي كانت تفاحة !  

 

*  أود التوضيح أنني كتبت سابقا اعتراضي على بناء المسجد من قبل المسلمين , مراعاة لمشاعر الأمريكيين , لكنني في نفس الوقت أعتبره حق لهم كما صرح الرئيس أوباما , وحسب الدستور والقانون الأمريكي , ولا يفترض أن يحتج عليه الشعب الأمريكي .

طاش ماطاش وغياب النقد الثقافي

مسلسل طاش ما طاش من حيث المبدأ مسلسل واعي ونقدي ولاذع السخرية , ولا يعجب الكثيرين لأنه ينتقد الجميع أو يعجبهم لأنه ينتقد الآخرين ويظهرهم على العكس , وربما قد كان هناك غيرة كما  يقال من رموز التيار المحافظ من أن يأخذ الجماهير منه ومن الجماهير أن يفتنهم عنهم , والذين قد عرفوا بأنهم ابتدأوا بتشويه سمعة المسلسل حتى قبل أن يطلعوا كفاية عليه ويجربوا أثره , ويستصدرون الفتاوى التي تحرم مشاهدته , ومع أن الفتاوى كانت تصدر عن الشيخ والعالم إلا أن الإشكالية هي في المبالغات والأكاذيب والأوصاف التي تنقل إليه ويصدر على أساسها فتاواه , بينما نجد اليوم شيخ الاعتدال سلمان العودة الذي حاول بعض من المتصلين لبرنامجه حجر الزاوية هذا العام أن يجروه إلى رفض المسلسل وانتقاده , مقابل آخرين على العكس , يرد بأن المشاهد يستحق أن يتنوع له الطرح من الدعوي للترفيهي , من الجاد للهازل , ويضيف بأنه لا يمانع نجاح وجماهيرية غيره ..

 

مسلسل طاش ما طاش يعيبه أنه حينما ينتقد فئة ينحاز لأخرى , ثم ينتقد أخرى وينحاز للفئة التي انتقدها , فحينما ينقل مقترح الشيخ اليوسف على أساس أنه هدم فإنه يتجنى عليه كما تجنت الصحف المتحاملة وكتابها , وحولت مقترحه من مقترح إعادة بناء الحرم إلى هدمه ! تلك بعض الأخطاء النقدية التي ترتبط قسرا بالمسلسل لتبنيه لهذا الطرح على عكس المسلسلات الفنية البحتة , إضافة إلى  ضعف الأداء الفني الإبداعي الذي يلتصق به من الجهة الأخرى , من تكرار ممل وتقليد , يكاد يكون غالبا عليه , لكنه قد يروق للبعض من الجماهير التي تحب التقليدية والتكرار , ومن أسباب انجذابها لطاش ما طاش والمسلسلات المتسلسلة مثل باب الحارة وبيني وبينك وغيرها .. ومن أخطاء المسلسل مؤخرا حادثة خيمة الجهراء , وإنكاره لأنه نقلها واقتبس منها .. وهو أمر لا يستطيع أحد إنكاره , في الوقت الذي قلدت فيه الحادثة بحذافيرها  .

 

الاعتراضين الجماهيرية التي ثارت ضد المسلسل بسبب حلقتي التعدد والخال المسيحي بطرس , لا أعتقد أبدا أنها مبررة نخبويا , فحلقة الخال بطرس هي واضحة في كونها تحاول نقل فئة متسامحة من المسيحيين ومعترفة بالإسلام , ومحترمة له , إلا أنها تفضل الاحتفاظ بدينها , وليس الاستجابة للدعوة إلى الإسلام التي حاول البطلين أبناء الأخ السعوديين أن يدعوان الخال بطرس لها و للإسلام .. بينما كان الخال بطرس يكتفي بكونه مؤمنا بالله , ويحترم المسلم المؤمن , ويقرأ القرآن قبل أن يقدم له أبناء الأخ نسخة بهدف الدعوة, وهي نفس المحاولات والمساعي الرسمية التي يشارك فيها العلماء والدعاة في لقاءات حوار الأديان وإشاعة التسامح بينها , و هنا توجد فجوة من النقد الثقافي لدينا , و الذي وجد رموزه ومنظروه , إلا أن نشاطها التطبيقي التحليلي يغيب في مثل هذه المواسم والمسلسلات الثقافية الجماهيرية والنخبوية في آن  .

 

أما حلقة تعدد الأزواج فقد نقلت مشاعر المرأة التي يتزوج الرجل عليها , وتريد أن يفهمها , ويتخيل نفسه في مكانها , وما حصل من احتجاج رجولي , هو دليل على أن الرجل حين يتخيل الوضع فإنه لا يقبله , وهو أمر طبيعي ومتوقع وحاصل , ولكن اعتاد الرجل لدينا أن يتجاهل هذه المقارنة المستفزة حتى لخياله , وينصرف إلى حاجاته الخاصة والمساحات الشرعية التي يستغلها بينما تحرم منها المرأة وتعاني بسببها . ومع  النقاش الشرعي في كون المرأة المتزوجة هل تكتفي بربع أو ثلث رجل مثلا , وإيجاد حلول وسط , وتخفيف الكثير من المعاناة الناتجة عن تشريع التعدد للرجل , تبدو لي غير مخالفة وخارجة عن المبدأ الشرعي , إلا أن الاجتهاد الشرعي والتساؤل المنطقي عن حقوق المرأة لم يلق مساحته الكافية لدينا في هذه القضايا , واكتفى الكثير من الرموز الدينية بالدفاع عن هذا الوضع لا أكثر .

 

هذا العام لم أقرأ أو أسمع عن ضجة ثارت وتكررت عن حلقة رقية التي أذكر بأن أول جزء منها , كان سببا في الكلام عن إهدار دم الممثل المتشبة بالمرأة , وهذا انعكاس إلى تغير في المجتمع وفي التيار الديني لدينا , فالشيخ ابن باز رحمه الله , ينتمي للتيار الذي تبنى فتاوى تحريم المسلسلات ومسلسل طاش ما طاش , واليوم لابنه الشيخ أحمد اجتهادات مغايرة تماما له , مع تصريحه بأنه متخرج من نفس مدرسة والده , إلا أنه يبدوا أشد تعايشا مع الواقع , كما أن العودة حين لم يشاهد المسلسل اعترف بأنه لن يعلق على أحداثه , وتكلم عن جوانب شرعية وعامة , في أحد حلقات برنامجه المميز والمتميز بانفتاحه وتبنيه للتغيير , وربما أنتقلت لدينا أشكال أخرى من التطرف ونبذ الآخر خارج التيار الديني , تحاول حظره وإقصائه بمبررات مزيفة وتعميمات واهية .

 

بينما تحدث أحد الصحفيين عن أن برنامج العودة يفوق جماهيره جماهير طاش ما طاش , على أساس أنه اجتذب الجمهور الخاص به والخاص بطاش ماطاش أيضا , فإن طاش ماطاش أصبح أكثر ثباتا وركودا من التيار الديني لدينا , الذي شهد تغيرات وتبني لخطابات التغيير وتقبل النقد , وأظن بأنه حان الوقت لكي يتنقل المسلسل نقلة تطورية وفنية ونقدية أكبر هو الآخر وأكثر من النقد إلى نقد الناقد ونقده , بعد أن أصبح النقد موضوعيا وفنيا , وخفتت أصوات المعارضة والمقاطعة التامة , لكي يكون من المشاهدين وإليهم , وينصت لتلك الأصوات الناقدة بعد أن كان يهمشها بسبب تهميشها ومعارضتها التامة له , ومن المعروف أن المعارضة والجدل كانت سببا في صالح جماهيرية المسلسل , وربما تنتهي هي الآخرى ولا يجد المشاهد مشوق ومحفز كافٍ من المسلسل نفسه .

 

إن ظاهرة التغير والدعاة الجدد من وجهة نظري , لم تكن تمثل التيار الديني لوحده , كما أن ظاهرة الثبات والتقليدية لم تكن تمثلهم لوحدهم ولا تمثل طاش ما طاش لوحده اليوم , فهناك أخذ وعطاء واكتساب وإكساب من الفئات الرمزية في المجتمع وحالات الانغلاق والانفتاح التي يمر بها بكامله , وقد تجلى في استفتاء واستنطاق المفتين منذ البداية حينما كان المجتمع يريد التحريم , كما هو اليوم يستفتي العودة في محاولة للإباحة .. وفي كل مرة يرد المفتي حسب الصورة المنقولة والرؤية المقدمة من السائل , فيحرم في مرة ويحل في أخرى , وفي كل مرة يصرح بأنه لم يشاهد , ولا هو من الجماهير والمهتمين بإنتاج المسلسلات أصلا , بغض النظر عن شرعيتها من محرماتها , فهو متورع ومتفرغ لبرامج جادة بعيدة حتى لو كان يرى إباحة الترفيه .

 

 

مابين حصر فتوى وفسح لمسجد

في نفس الوقت الذي صدر فيه القرار الأخير بحصر الفتوى في المملكة العربية السعودية , وتقييدها بهيئة من تسميهم كبار العلماء , كان يدور جدل في الولايات المتحدة الأمريكية , حول نية الإسلاميين في أمريكا لإقامة مسجد على بعد بنايتين من أبراج التجارة العالمية , وصرح على إثره الرئيس باراك أوباما , بكلمة فصل , بين فيها رأيه كرئيس ومواطن ورأي الدستور الأمريكي , بما يحول دفة الجدل , وآمال المعارضين على إقامة المسجد والمركز الإسلامي , بالحيلولة دون إقامته , فقد بين بأن الدستور الأمريكي هو دستور يكفل الحريات الدينية , بعد تعديل عليه ومنذ ذلك التعديل , وأنه كرئيس ومواطن لا يمكنه أيضا التزحزح عن هذا الدستور .

عم السرور الجهات الإسلامية التي أصرت على إقامة هذا المسجد في مدينة نيويورك , وعلى بعد بنايتين فقط  من أبراج التجارة العالمية , والتي عارض 53 % من الأمريكيين في نييورك بنائه , واعتبروه استفزاز مقصود , خاصة أن القائمين على المسجد صرحوا بأنه سيبدأ بنائه أيضا في ذكرى الحادي عشر من سبتمبر العاشرة ! لكن الرئيس أوباما صرح في كلمته أيضا , بأن الولايات المتحدة لا تربط بين الإسلام والإرهاب , وأن الإرهابي المسلم أكثر ما يقتل في شعبه من المسلمين , وكان تصريحه إثبات له ولهؤلاء القائمين على المسجد , بأن دعاوى المسلمين في أنهم مستقصدين من أمريكا غير صحيحة , بغض النظر عن صحة ذلك !

لقد تجاهل الإسلامي الأمريكي بحمق كبير أثر هذه الخطوة على الدول الإسلامية , كما كان القرار السعودي الأخير من القرارات التي لا تصب إلا في صالح إعادة جذور ومسببات الفكر الإرهابي المتشدد وآثاره الدموية على البلد والأمة , التي عرف أوباما بأن أغلبه يتم توجيهه من المسلم للمسلم , بحمق كبير , وكالعادة أمريكا مجرد تستغل الثغرات والغباءات الكبيرة لدينا لتتحرك لمصالحها الخاصة , التي تتعارض مع مصالح المسلمين , و الذين يعتقدون مصلحتهم هي في الإجبار والاستفزاز والكبت وتجاهل الأصوات المتعددة وفقدها في الداخل , وقد كان مشائخ من الأزهر قد حذروا الإسلاميين في أمريكا من تلك الخطوة إلا أنهم تابعوها حتى حصلوا على تأييدها الرئيس في الولايات المتحدة .

الولايات المتحدة سياستها معروفة وواضحة في الداخل , ونصرتها للمواطن وحتى المقيم في مجال الحريات والحقوق , ولكن ما لا تدركه الأقلية الإسلامية المتقوقعة هو أثر تصرفاتها الرعناء وقرارتها المتخبطة على علاقة الولايات المتحدة بالخارج الإسلامي والتي هي محل الأهمية ومحور الجدل , وعلاقة الأمريكي بها في الداخل , وكذلك المصلحة الأمريكية الخالصة وراء تأييد قرار المسجد , فأوباما يواجه انتخابات قريبة , كان قد عكر عليها من سمعته وسياساته الخارجية , عدم الوصول إلى خطوة في الخلاف الفلسطيني الإسرائيلي , وكذلك اعتذاره عن تننفيذ وعده بإقفال سجن غوانتنامو , كما أن سحب القوات من العراق مجرد وعد لا يمكن احتسابه , إضافة إلى أنه كان ضد المصلحة الأمنية العراقية التي لم تتأهل بعد لاستلام الأمن بنفسها .

مقابل تحسين سمعة أوباما الخارجية في الداخل بطريقة رمزية وقريبة للناخب , فإن الإسلامي في أمريكا , لن يجني من حصوله على تلك الحقوق إلا المزيد من تكريس التخلف والتبعية للقديم والتغني بحضارة انتهت وأصبح يتخدر بها عن واقعه السقيم . فقد صرح المعارضون الأزهريون لبناء المسجد بأنه لا توجد حاجة لبنائه إضافة إلى كلفته الاقتصادية الباذخة , إضافة إلى تزايد العداء على المسلمين , وحتى مع وجود القانون والدولة التي تحميهم , فإن هذا لن يعني أبدا أنهم في أمن من المضايقة والعداء التي يمكن أن لا تصل للقانون , أو تصل بعد فوات الأوان , أو أن يدفع ثمنها المنطقة العربية والإسلامية التي يبدوا أن الأقلية المسلمة لا تعايشها وتشعر بالكثير من مآسيها , ومنشغلة تماما في عيش حلمها الأمريكي !

يأتي الجدل على هذا المسجد الشكلاني المزخرف , مع الجدل الذي خلقه منع الفتوى والآراء الخارجة على هيئة كبار العلماء في السعودية , التي كانت تضاد بالاسم أعضاء هم من كبار العلماء أصلا , إلا أنهم خرجوا عن اتفاقية الاجماع التي تلغي كل خلاف وسعة يمكن أن يتمتع بها المسلم ويستفيد منها , كالشيخ العبيكان وآرائه  , والذي من عجيب الصدف والعجائب الإسلامية لدينا , أنه أيد القرار نفسه ! كما تراجع قبله الكلباني عن فتواه المخالفة للإجماع , والتي أثار المجتمع ضدها الكثير , مع أنه مجتمع لا يتبع الفتوى في كثير من الأحيان ويحارب نفسه بنفسه , وكان من المفترض أن تتم محاربة ومنع الاستهزاء بالدين التي تورط فيها حتى من المشائخ أنفسهم في أشهر الصحف والمنابر , في محاولة للسيطرة السياسية من فئة من المشائخ وكذلك من العوام على من يخالفهم من مشائخ !

مع ذلك فإن أحد مبررات المنع هي إيقاف الجدل وانشغال المجتمع والناس بأمور غير مهمة , و مع أننا في أوائل أيام رمضان المبارك , ولم يفتتح أحدا نقاشا أو مبادرة في أولوياتنا كمسلمين , قبل إثارتنا وصدمنا بهذا القرار , مثل الصدقة وفتح التبرعات للمواطنين  لإغاثة منكوبي باكستان , كما لم يشغل الإسلامي الأمريكي نفسه بهذه القضية ولم ينفق من مدخرات مسجده ولا تصدق من ميزانيته لوجه الله الذي يدعي أنه يتعبده به , بل أصبح رمضان والإسلام والدين والفتوى وكل شيء لدينا , هو عبارة عن تقاليد شهوانية أكلا وسلطة وكبتا وإنفاقا واستهلاكا ومسلسلات وخيم رمضانية وألعاب وفوازير , وأبعد ما تكون عن الوعي واليقظة بواقع المسلم والعربي , ثم حين يأتي قطع الجدل وصرف الناس , فإنهم يصرفون ويمنعون من التمتع بالقليل مما يتاح لهم من الوعي والتعددية !

قناة شباب المستقبل

 

تشتكي الكثير من الأمهات من أثر ما تعرضه قناة الأطفال ( سبيستون ) التي كانت قبل مدة , ولمدة طويلة , تكاد تكون القناة الوحيدة المخصصة للأطفال , والناطقة باللغة العربية . حينها كانت تنافسها قناة الإي آر تي ( آرتينز ) التي انضمت مؤخرا إلى قنوات الاشتراك ضمن سلسلة قنوات الإي آر تي . مع أنها لم تكن تلاقي الشعبية لدى الأطفال ولا الأمهات حينما كانت مجانية , إلا أن سياسة المجموعة الجشعة يبدو أنها لا تزهد في مبالغ زهيدة مقابل إغلاقها , وكانت أيضا تنافسها في السلبيات التي تضايق الأمهات , ويعتبرنها إفساد غير عادي للطفولة , خاصة في موضوع العنف والحركات الخارقة وعلاقة الفتى بالفتاة .

وفي مقال للدكتورة الفاضلة ليلى الأحدب , غطت فيه الكثير من الأمور حول الموضوع , لكن دون أن تركز على الدور المحوري لقناة السبيستون ومجموعة القنوات العربية للأطفال , وإنما كان طرحا عاما لأثر الميديا على الأطفال , والذي يعانيه الطفل الغربي أيضا . ولكن من متابعة للقنوات العربية وكذلك اطلاع على قنوات غربية , فإني ألحظ وجود فوارق غير قليلة بين ما يقدم للطفل العربي والغربي , فعلى سبيل المثال تبتدئ حكاية العالم الطفولي في أمريكا بمدينة الألعاب الشهيرة , والت ديزني , ولا تنتهي عند قنوات ومجموعة أفلام ومسلسلات وأغاني وعالم ديزني , والتي تتناسب مع الأطفال , كما أنها مصنفة أيضا حسب الأعمار والإدراكات المختلفة لديهم .

في الغرب وفي أمريكا , دائما توجد نفس المشاكل التي تنتقل للعرب , وبحدة أكبر , لكن دائما أيضا , يحل الغربي مشاكله , ويقف العربي محتارا ومتأزما في مشكلات وجزئيات في شدة البساطة ولو نسبيا . وفي ظل غياب وتغير الحياة التي يعايشها الطفل وأسرته , فإن عالم ديزني يحل كعالم افتراضي آخر للطفل , ويتكفل بأكثر مجالات الانتاج الخاصة به . وهو عالم طفولي خالص , نجومه من الأطفال , ومفاهيمه كذلك , وعلى سبيل المثال فقد ظهرت ظاهرة ( هانا مونتانا / مايلي كيرز ) قبل سنوات , ذلك المسلسل الذي قررت القنوات العربية أن تنقله كالعادة لكن كجزء صغير ومبتسر من عالم لا تتكلف حتى بتكميله , حتى لو تم دفع الثمن والكلفة لها .

ظهرت ظاهرة هانا مونتانا كممثلة , وبعد نجاح أدائها الغنائي في المسلسل برزت كنجمة والت ديزني , وفي الوقت الذي تشتهر فيه نجمات محترفات في الإعلام الغربي , صدف أني وجدت أثناء تصفحي لليوتيوب من يسمونها نجمة كبيرة طفلة ( تمارا الحلبي ) لكنها تجسد أداء مغنية سابقة بالغة ( أسمهان ) لوجود شبه في صوتها ! الفتاة جميلة وتم تخليعها بطريقة غريبة بل ووضع مساحيق ومكاييج صارخة لها , أصبحت معها تبدوا وكأنها حليمة بولند أخرى , أو إبهار الألمعي الأخرى التي تم إقحامها في الإعلام طويلا , على الرغم من قلة موهبتها , فقط لسبب جمالها وأنوثتها , وهكذا بينما يحقق الغرب إيجابيات متعددة إلى جانب نفس السلبيات لدينا , فإننا نحتفظ بالجانب السلبي دائما , والمختصر , جمال ومساحيق وتعري .

يحتج الكثير ممن لا يعجبهم النقل المتكرر للنجاحات الغربية بالاختلاف في الأخلاق والقيم , ولكن الصدمة الكبرى تحصل عندما ندرك بأن الجانب الأخلاقي هو الآخر يتفوق فيه الغربي علينا . فقناة السبيستون حققت نجاحات كبيرة بحكم أنها كانت المتفردة بالساحة , نجاحات مادية كاسحة , وواضحة , بدليل السلع التي يزداد الإعلان عنها في كل يوم والشركات التي تنضم للقناة وتعلن فيها , مع ذلك فإن الأرباح لا تزيد هذه القناة وأخواتها إلا جشعا وعلى حساب فلذات الأطفال والتكسب منهم وعلى حساب برائتهم وتربيتهم , وحتى عندما ظهرت قنوات صوت الطفولة تكررت نفس المطامع , وحين حققت أرباحا على آمال الناس وفرحتهم بالقناة , وحضرت فرق القناة للمسرح , فإن الجماهير صدموا بضعف الأداء , و ببيع المنظمين تذاكر أكثر من المقاعد المتوفرة .

قبل أن تظهر قناة مواهب وأفكار للكابتن صالح العريض هي الأخرى , بيعت أناشيد ( جدول الضرب ) التي تم الإعلان عنها من خلال البرنامج , وكذلك تم بيع الكثير من أشرطة البرنامج الذي كان يعرض في القناة السعودية أصلا , ولاقى نجاحا ماديا في جيوب المنتجين ولم يتم متابعة الانتاج والجهد منه هو الآخر , وليس بسبب الجهد والفنية الكبيرة التي عمل فيها عليه , بل لأنه كان البرنامج الوحيد الذي يعرض للأطفال , وكان يعرض يوم الخميس فقط ! وحسب توقيت الصلاة في الرياض , أي أن الطفل الذي يحاول والده تعويده والذهاب به إلى المسجد إما أن يكره المسجد , أو يكره هذا الإعلام المقدم له , والذي لا يلقي له أي اهتمام وتنظيم , كما أن مسلسلات وأفلام وأغاني السبيستون والآرتينز وحتى براعم ونكلوديون التي انضمت حديثا للفضائيات , حافلة بالتكرارات الشديدة و الإملال .

ظهرت قنوات المجد للأطفال وغيرها , واختارتها الأمهات مرة أخرى عقدا للآمال على أن يقدم للطفل شيء طفولي فعلا وهادف , ولكنها هي الأخرى حاولت أن تتبع الخط الشكلاني للمحافظة , ولم تبذل الجهد حتى المطلوب لذلك , حولت الأصدقاء إلى إخوة , وأدرجت كلمات ما شاء الله وإنشاء الله , والخير والشر , لكنها بسبب انتقائيتها الشديدة لم تجد الكثير مما يناسب طرحها , إضافة إلى أنها كررت ذات المسلسلات التي حفظت من القنوات الأخرى التي سبقتها , أضف إلى ذلك عدد من البرامج التي لا تتغير وإما يديرها رجال سخيفين , أو طفلات جميلات ومتمكيجات بشكل صارخ , وأيضا بغض النظر عن الأداء , وبغض النظر عن محافظة هذه القناة وعدم اعتمادها على المرأة واستبدالها بمراهقة ورجل !

لكن امرأة هي نانسي عجرم تذكرت الأطفال مرة , في بريك من أغانيها الكثيرة , وقدمت لهم ألبوم شاطر لكي يسمعوا الكلام , و صاحبتها الفنانة الكبيرة هيفاء وهبي لم تحتمل وأرادت المنافسة لها بتقليد الأغنية الوحيدة التي تذكرت الأطفال قبل سنوات ( بابا فين ) , أيضا ليسمع الأطفال الكلام , بينما لا يسمع الكبار الكلام ! بينما لم تفكر ولا يمكن أن يتم السماح لمغنية مثل مادونا أو برتني سبيرز لكي تغني للأطفال , ففي الغرب هناك مفهوم واضح وفواصل محددة بدقة بين المراحل العمرية , وعوالم مختلفة في مجتمع مختلط وملخبط وفيه كل شيء جيد وسيء إلا أنه منظم ومحترم .. ويلومون الناس حينما يسمون أمريكا ماما , ولكننا لا نلام إن اخترنا ماما أمريكا على ماما بابا و هيفاء , يملون عليهم ولا يملون من سخافاتهم وعالمهم الذي يفرضونه على الصغار , فهم مشروع شباب منذ نعومة أظفارهم !

 

 

طبيعة الاستهلاك والاستثمار

 يتكلم البعض عن طغيان الرأسمالية المهيمنة , وعقلية السوق والمادة على الناس , وسيطرة الدعاية والاعلان , ويوجه التهم للشركات الاستثمارية والسلطات المسئولة عن القطاع المادي والأنظمة الجديدة الطارئة , ويعزو لها تحول الانسان إلى سلعة , وتشيؤه , وضياع القيمة الانسانية , ومساواتها ومساومتها بالقيم المادية . وتشيع هذه الأفكار , عند من يميلون لنظريات النقد , وإن كانوا يعزون هذا الأمر إلى الانسان في النهاية , وإلى أشخاص مسئولين , وكذلك يتطلبون من الأشخاص المستهلكين أيضا أن لا ينخدعوا , بهذا الكم والزخم من الدعايات , والقيم الجديدة التي تسوقها , مع ما تسوقه من سلع .

 

وجهات نظر أخرى تعتبر الانسان هو المسئول الأول , ونقص الإرادة والوعي , هو الثغرة التي جعلته سهل المنال , وكذلك انتشار الوعي وقوة الإرادة بالمقابل , هي الحل الذي سيحرر الانسان من سطوة وقيد هذه السوق والتسويقية التي تفتك به . ولكنها في نفس الوقت لا تتناول الأمر بتحليلية عميقة , ومرجعية دقيقة , و تلاحظ بأن الوعي والإرادة موجودة دائما , ومنتشرة , ومع ذلك فإن الاستهلاك أيضا منتشر , وأن الكثير من الوسائل المستهلَكة , هي بحد ذاتها مصادر ثرية استثمارية , لصناعة واكتساب الوعي ـ كالقراءة والانترنت ـ ومع ذلك فإنها تنتهي بالمستهلك في النهاية إلى أن يعاني من استهلاكه المفرط لها , بدل استثمارها والإنتاج منها .

 

يقول المفكر عبد الوهاب المسيري في هذا الصدد , في كتابه ( العلمانية تحت المجهر ) ص 22 :

( قطاع اللذة تصل أذرعته الأخطبوطية إلى كل مكان , وإلى مجالات الحياة الانسانية الخاصة والعامة كافة , والمؤسسات الإعلامية , ويمكن أن نضرب مثلا بالاعلانات التلفزيونية, فهي تنزع القداسة عن الانسان وتحوله إلى انسان اقتصادي وجسماني ذي بعد واحد ) .

بينما كان الفيلسوف الشهير سيجموند فرويد , قد أسس في نظرياته , لهذه المسألة المتعلقة باللذة , في نظرية الغرائز معتبرا بأن للغريزة سمتين رئيسيتين , هما البناء , والهدم . يقول فيها :

( بعد تردد وتذبذب طويلين استقر رأينا على افتراض وجود غريزتين أساسيتين فقط , هما الإروس وغريزة التدمير . وهدف الإروس إنشاء وحدات جديدة لا تفتأ تزيد حجما , والاحتفاظ بها على هذا النحو , ومن ثمة فهدفها الربط . أما الثانية فهدفها الضد : حل الروابط وبالتالي تدمير الأشياء ) . الكبت والموجز في التحليل النفسي . ص 30

 

 الاستهلاك تدمير وإهلاك للمال مثله مثل الاستثمار والإثمار والبناء , و هما متفرعان مباشرة عن غريزتين انسانيتين أساسيتين , ومرتبطان تماما بطبيعة الانسان , و هذا الأمر يبرئ المؤسسة المادية والاقتصادية من التهم الموجهة لها بحدة , وكذلك الانسان في طبعه الأصيل , ويلفت النظر لمشاكل الاستثمار بالمقابل . وفي نفس الوقت يساعدنا على معالجة مشكلة الاستهلاك المفرط والسلبي بطريقة أفضل , بناء على ربطها بأسبابها وعواملها المتعددة , وليس اختزالها في أحد الأسباب المحدودة . وقد ذكر فرويد وكذلك الأستاذ محمد قطب , في دراساتهما وآرائهما النفسية , ضرورة التوازن , بين الخطوط المتقابلة في النفس البشرية , بما يؤكد بأن الاستثمار والمبالغة فيه مشكلة مثلها مثل الاستهلاك المفرط .

 

 الاستثمار يقابل الاستهلاك ويماثله , كما يقول الله تعالى في سورة الهمزة التي تناولت الموضوع مباشرة : ( ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده * كلا لينبذن في الحطمة ) . وكذلك في موضوع متعلق بغرائز الإنسان الأيروسية أيضا في البناء والتكاثر ومختصة بها : ( ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر ) إلى آخر السورة . وقد يرى البعض ويؤجل الآيات القرآنية إلى الآخرة بما يخرجنا عن مواجهة المسائل والأمور الدنيوية والتربوية التي أتى بها القرآن , فيقرأ الآيات على أنها متعلقة بالموت والعقاب الأخروي . بينما هي أيضا تدل على العاقبة وآخرة أفعال الإنسان , وتتبعه للغرائز والرغبات , لدرجة القتل والموت وتفويت أمور حياتية أخرى مهمة .

 

ولكن القرآن الكريم كتاب تربوي توجيهي عند محمد قطب * , كما تعرف للانسان شهوات ثلاثة تتطلب الضبط والتوازن : الجنس , المال , السلطة . وهي شديدة التداخل والترابط , وبذلك فإن المال يعتبر أحدها ويوازيها , و كلام فرويد عن الغرائز يؤكدها , إضافة إلى سورة التكاثر التي فسرها بعض العلماء بأنها تكاثر في الجنس و المال والولد والسلطان , والتكاثر يقابل تماما البناء الأيروسي التي تناوله فرويد , و ينتمي للشهوات الثلاثة , وفي شهوة المال , فإن البناء والهدم يقابلان الاستهلاك والاستثمار , والجمع والإنفاق , وفي السورتين نجد أن الحديث قد اختص بأيروسية المال والعيال . كما أن التدمير وقتل الأولاد من الفقر وإنفاق المال على السفهاء هو أمر مطروح ؛ ومن هذه المنطلقات نلفت النظر إلى تكوين رؤى عميقة وتأصيلية وتفصيلية أخرى لمشاكل الاستهلاك والاستثمار , والقضايا المرتبطة بالطبائع الانسانية الغريزية .

 

 * القرآن ليس كتاب نظريات .. نفسية أو علمية أو فكرية .. ولكنه يحوي التوجهات الكاملة لإنشاء هذه النظريات . إنه كتاب تربية وتوجيه . محمد قطب .. دراسات في النفس الانسانية . ص 8

تضحي المرأة بأمنها , لإرهابي , أو رجل أمن !

استجابة المرأة ضعيفة للحركات الإرهابية والأفكار المنحرفة أكثر من الرجل , هذا ما كان مضمون تصريح للدكتور يوسف الرميح المتخصص في شؤون الإرهاب , تعليقا على حادثة اعتقال الارهابية ” هيلة القصير ” , في جريدة الرياض , وهو تصريح مثل الكثير من التصريحات المختصة بالمرأة , التي تستغل عدم تورطها في العمل الإجرامي , من ناحية قلة النسب , لكي تصفها بأنها أشد إجراما حين تجرم , حتى حين يعترف بقلة إجراميات النساء , وبهذا تم تناقل شعار ووصف هيلة , بأنها أخطر إرهابية , صحفيا وإعلاميا , بالرغم من أن عملها لم يكن فيه حتى قتل مباشر , وكان مقتصر على جمع الأموال , و مع أن المقال والكلام نفسه يتضمن اعتراف بأنها لا يمكن أن تبادر بالجريمة , ودائما ما يكون سببها هو تعلقها بقريب , ومن يعني لها أمرا عاطفيا .

حينما تحدث الدكتور الرميح عن أن المرأة صمام أمان , قال بأنه أمان في العمل الإرهابي وحجر زاوية , في نفس الوقت الذي يصف دورها في مكافحة الإرهاب بالإيجابي ! ولكن في سياق تسفيهي لكينونتها واستقلالها , وتشجيعي تطفيلي في نفس الوقت , فهو يجعلها بين جملتين وتصريحين متناقضين , لكي يدفعها لدعم عمله المكافح للإرهاب كما يعتبره , كما أنه في نفس الوقت يتهمها ويصفها بالخطورة وصمام الأمان للإرهاب وليس مصدر للأمان , ومن هذا الأمان , وحين يتم التعدي على هذا الأمان لدى من يعني لها عاطفيا , فإنها تقلبها حربا , ومن يعني لها عاطفيا لا بد أن يكون نبيل وإنساني ولو بحدود , غير ذلك فإنه لا يردعها عن محاربة إرهابي قريب لها , إلا الرهبة منه , خاصة وأنه بالعادة يكون متعدي عليها ومعكر لأمنها .

يتكلم الرميح عن كونها مكتشفة أولى للمجرمين , متناسيا الإرهاب والترهيب الممارسة في حقها من الرجل , وإجرامه الذي يبدأ معها , أو يقتصر عليها , والذي يمنعها من التعبير عن رأيها , والمطالبة بحقوقها الخاصة , ورفع المظالم عنها , فضلا عن الشكاية على قريب قد لا يكون  يتعرض لها, بل ربما كان في تصريفه لإرهابه إلى منافذ أخرى , هو كف لشره وإشغال له عن ممارسته فيها , وهذه المنافذ , يفترض أن يكون الرميح والمؤسسات الرسمية , هي المؤهلة له , وليست بحاجة لمخاطرة وشكاية المرأة , ولكن ها هو يحرضها ويعتمد عليها أيضا في مهمة قد تجعل الإرهاب يصل إليها , ويجعلها في خطر , وحينها لن يصل لها المختص ورجل الأمن , ولن يوجد طرف آخر قادر على الشكاية , إلا مثلا لو تم الاعتماد على الأطفال , وتعريضهم للخطر أيضا !

هل الرميح وهل رجل الأمن والمؤسسة والمسئولين بحاجة إلى المرأة ؟ وهل الارهابي بحاجة إلى المرأة ؟ بالطبع الجميع بحاجة لها , ولذلك كان يجب أن يوفروا لها الأمن والاستقلال , فهي الحل والمكمل لحل الكثير من المشاكل والثغرات التي تعد هي المسبب الحقيقي للجرائم بجميع أشكالها , فالجريمة لا تتم دون مرور بخطوات وتخطيطات دقيقة , لا يعرف عنها الأمن إلا بعد حصولها وتنفيذها , ولا يتم تفعيل الأمن بالتالي بشكله الكامل والحقيقي , فإن الأمن يعد ويفترض أن يكفل استتباب الأمن , ويمنع حدوث الجريمة , وليس يعاقب أصحابها , ولا تزال كلمات خالة الطفلة وجدان التي قتلت في التفجيرات الإرهابية في الرياض , ترن في أذني , حين كانت تقول للمسئولين والمتحدثين في البرامج : ماذا نستفيد الآن وماذا نريد , ما دامت طفلتنا قد قتلت وفارقت الحياة ؟

هل يمكن أن يجيب الإرهابي ورجل الأمن على هذا السؤال الذي أطلقته امرأة عن طفلة ؟ وهل يمكن أن يتركوا المرأة في أمانها , ولا يعرضوها لأخطار التمرد , إلا بحماية لها , وتحقيق الأمان لها أولا ؟ هل المرأة الناقصة العقل هي التي تتورط في الانضمام للأفكار المنحرفة ؟ أم أن الرجل هو الذي لا يزال يفعل , وينضم لشتى الأفكار القاتلة , ويضمها لها , بتغرير عاطفي ؟ أو ضغط إرهابي ؟ هذه المرأة التي لديها الإدراك والوعي الكبير , الذي يمنعها ولا يخدعها بالأفكار الجديدة والغريبة , كيف بعد كل هذا يتطلب ويظن رجل محسوب على الأمن , أن تكون تابعة له وخادمة له أيضا , بنفس الطريقة التي تبعت فيها الإرهابي , وحصل فيها ما حصل , كيف يكون رجل الأمن غير قادر على تحقيق الأمان ويتطلب منها أن تكون صماما له , في الوقت الذي يصفها بصمام الأمان وحجر الزاوية للإرهاب ؟!

المبدأ و القيمة

 الكثيرون يدرجون المبادئ والقيم تحت تصنيف واحد , ويحسبونها على بعضها بسبب التركيب اللغوي الذي تم الاصطلاح عليه . ولكن من وجهة نظري وقراءتي لكل من المبدأ والقيمة , في أكثر من شكل من أشكال تعبيرها عن نفسها , فإنها مختلفة عن بعضها , ولكن تجاورها مع اختلافها , هو تجاور المختلف الغير متناقض , مع أنه مختلف , أي الوجهين للعملة الواحدة , كما اصطلحنا على تشبيه الأشياء ببعضها , وإن كان هذا التشبيه والوصف بحد ذاته غير دقيق , ولا يفرق بين الوجه والوجه الآخر , بل يقال وجهين لعملة واحدة , حينما نقصد التطابق التام والتكرر الذي لا وجود له .

 إن الكثير من الخلافات بجميع أشكالها , بين الناس , تعود لأخطاء في المفاهيم , ويصبح الخلاف مشكلة , حينما يكون العيش مفروض والتعايش مفترض , مع مسألة التشابه والتنافر , والتناقض والاختلاف , وهذا الأمر كان له أثره وتعبيره المباشر من خلال اللغة , والاصطلاح النظري , بينما نجت بعض التعبيرات التي لم ترتبط بالإنسان ولغته التي تعبر عنه , بل من أمور أخرى , مثل المواد , والطبيعة وخواصها , تلك التي يراها الانسان , وينجح في تفريقها عنه وفصلها , ولكنه حين يريد نقلها وتشبيه مسائله الانسانية بها , فإنه لا يكون ناقل موضوعي , ويعود إلى نقص إدراكه وذاتيته , فيجعل منها وسيلة للتعبير عن ذاته , وليست وسيلة للعبرة .

 هذه المنهجية التي ينتقل فيها الانسان إلى الحياد من خلال آخر , خارج الانسان بكل تصنيفاته واختلافاته , هي منهجية نظرية أيضا , وانسانية مشتركة , في نظريات فكرية , ارتكبت نفس الغلط الذي تدعي أنها بنت خصوصيتها وفكرها على معالجته , فلو أخذنا على سبيل المثال , الانسان المعنوي والمادي , والأنثى والرجل , والفكر الديني والعلماني , فإننا سنجد أنها جميعها حاولت أن تخرج من الانسان , كل على طريقته , فهناك من خرج منه بالملائكية والشيطانية , وهناك من خرج منه بالعلم والمادة , مع هذا فإن كلا الفريقين يعودون إلى تطرف موضوعي شديد في أفكارهم الخاصة , يحتد الأمر أكثر حينما يقيمان بعضهما .

 على مستوى آخر لدينا , عاملي الحرية والانضباط , وتياري الإسلامية واللبرالية , ومسألتي المبدأ والقيمة , الخلط بين الأمور يعطي إيحاءات دائمة بالتناقض والاختلاف وتحتد الخلافات الجزئية في هذه الثنائيات , مع أنها موجودة لدى الجميع , العنصرين موجودة لدى الانسان , والثنائيات موجودة في كل الأفكار والأفهام , والخطأ فيها يؤدي إلى تصادمات في جميع المستويات , ابتداءا من الذاتية وليس انتهاءا عند الموضوعية , مع أن الاعتراف بالاختلاف وفهمه , هو حل سلمي جميل , يحل جميع هذه الخلافات , والاعتراف قبل ذلك بالتساوي والتشابه , ووجهي العملة , تخفيف لحدة الاختلافات .

 إن المبدأ يعني لي الجزء الأقرب للثبات , والجزئية التي لا تكاد تتغير , بحكم الاتفاق عليها , أو شدة وضوح ضرورتها , وعلاقتها المباشرة بالضروريات والأخطار المؤكدة علاقتها بالتخلي عنها , بينما القيمة تأتي في مرتبة أخرى , تتعلق بما هو قيم وثمين , وتكميلي وجمالي , يتم التمسك به لهذه الأسباب , ويتم التغيير فيه والتفرع كثيرا , دون أن يشكل هذا مناقضة لمبدأ معناه وقيمته , وهذه هي اللغة أيضا , والعقل , والنفسية الإيجابية , جميعا ومعا , قادرة على إصلاح ذاتها , وذات الانسان , وتقويمه في موضوعيته ورده لها , والحوار المستمر والمتجاور والتلاسن , هو حل لا فرار منه إلا إلى مشكلة الإقصاء والإلغاء والملاسنة !

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.