قبل أيام نشرت قصة فردية في جريدة عكاظ , وصفتها الصحيفة بأنها مبادرة لحل مشكلة العنوسة , يقول فيها والد الشابة بأنه ” حرصت على اختيار زوج مناسب لابنتي؛ فيه من الصفات الحميدة ومكارم الأخلاق ما يجعله يقدر موقفي، بما ينعكس على ابنتي بحسن التعامل وطيب المعشر. أريد أن تذهب ابنتي إلى بيت زوجها وهما سعيدان؛ لا تثقل كاهل أحلامهما الديون ” . ويكمل بأنه قرر تزويجها بمهر 5 ريالات ! وأنا أتسائل هنا أين رأي الفتاة وموقفها في الموضوع , ومن تكون سوى ابنة ذلك الرجل , الذي اختار لها كما يصرح , واختار لزوجها الراحة كما هو واضح , دون أن يسأل عن ابنته بالعاطفة والعقل وليس الملكية والتضحية , وما هو رأيها وشعورها حيال الأمر , وبالطبع لن أتوقع أن الابنة زوجت قسرا وعضلت , ولكن أرى بوضوح أنها سلبية ومهمشة تماما في الموضوع .
رجل بسيط وشعبي , يبدو لي هذا الرجل , وعندما أحاول استخدام قصته نقديا فإني أشعر بأني أستخدم معايير لا ينتمي لها , ولكن أصدم تماما وأنا أعرف قصة شعبية انتشرت بين الناس , عن رجل زوج ابنته بريال , وكانت ردة فعل الزوج أن أصبح يقول لها ويعيرها طوال العمر , بأنها تساوي علبة بيبسي ! وهي قصة رمزية وشعبيا صنعت وعيا لدى الفتيات والأهالي , الذي يبدوا أن هذا الأب لم يكن منهم , ومع أن القصة قديمة والحملات والمشاكل توالت في موضوع الزواج لدينا على المستوى القضائي والاعلامي والصحفي والاعلام التفاعلي والانترنت والفيسبوك والمنتديات في السنوات الأخيرة , وكان أشهرها حملة ” خلوها تعنس ” و ” خلوه عزابي ” إلا أن الحملات تلك كانت شبابية بحتة وكلامية , لم يتم مواجهة وطرح المشكلة في الواقع المتعلقة بالأهالي والمجتمع , والتي تتجلى في سلوك هذا الرجل , الذي يفرض على ابنته مثل هذه الحلول .
لا تزال هناك مشكلة في موضوع الزواج بين الأهل والمجتمع , وبين الشباب , ضحيتها هم الشباب من الجنسين , الذين لا يبلغون سن الاختيار والقرار مهما بلغوا , من الرجال أنفسهم قبل الفتيات , فالرجل ابن قبيلته وأسرته , ومحددة له الطريقة والمساحة التي يتزوج من خلالها , الفتيات مفروض عليهن الزواج بأي طريقة ـ من الطرق الفاشلة حتما بسبب اعتمادها على الأب والأخ ومعاييرهم ـ والتخلص من العنوسة , و الشباب مفروض عليهم عدم الزواج سوى بطريقة الأهل , ولا بأس قبل ذلك أبدا بالعزوبية على الطريقة الغربية بكل انحلالاتها , ولا مانع لدى الكثير من الأسر والقبائل أن يقضي أبنائهم فترة الضياع والعلاقات والعبث بكافة أشكالها , ما دام في النهاية سيتزوج المرأة التي تناسب العائلة والمجتمع ومعاييرها ويحل مشاكل هم مسئولين و مفتعلين لها , إما أن يحل مشكلة عنوسة ابنة عمه هو الآخر , أو يحل مشكلة بطالة ابنة الجيران ويدفع لها بعد أن يبلغ المستوى الوظيفي والمادي الكافي .
من الواضح أن المجتمع يصنع عدد من المشاكل من خلال نفس الحلول والقواعد العشوائية التي يسنها , والقانون يدعم ذلك ويدور في فلكه مباشرة , فالقوانين في الزواج من الخارج والاجانب صارمة , كما هي بين القبائل في اختلاف النسَب , وحتى التناسب والطبقة بين فخذ أو ضلع أو جذع القبيلة الواحدة ! وليس عجيبا أن تكون الحلول أو المشاكل قائمة ومتسلسلة , لأنها ترتبط بعدد من المشاكل التي يتورط فيها الجميع , وليس لديه الاستعداد لحلها من جهته , وبدل ذلك يصدرها لغيره , فمشكلة العنوسة والمهر , مرتبطة مباشرة بمدى استعداد المجتمع والمسئولين لتوظيف المرأة , والمرأة نفسها لم تبدي المبادرة بالتنازل عنه في حالة حصولها على الوظيفة , بينما الغير موظفة والبسيطة يمكن أن يتنازل عنها والدها لكي يؤدي ما يعتبره مسئولية تجاه رجل غريب خطب ابنته وتجاه المجتمع والمسئولين !
الطمع المادي موجود ومتفشي لدى النساء , وهو أمر تناولته كثيرا بالرغم من نسويتي التي يعتبرها البعض متطرفة وأصيلة , وحركة حقوق المرأة والمطالبة بها , لم ترافقها مجموعة من التنازلات عن المنح التي نالتها بسبب عدم وجود حقوق وعلى رأسها المهر والنفقة مقابل المكوث في البيت , وهي قاعدة فقهية معروفة عند بعض العلماء , وأن المرأة مقابل ذلك ليس لزوجها حق إدارتها في عمل المنزل وإلزامها به , وهي قاعدة عقلانية ومريحة جدا , وعملها فيه دون الرجل الذي يشاركها فيه وقد تشاركه في العمل الخارجي , تنازل يجب أن يقدر ويخلو من الإدارة والتحكم بها من خلاله , ولكن أيضا هذه الاتفاقات والتنظيمات لا تناقش ولا توضع في الحسبان , وكل المشاكل لا تحل بالاتفاق , بل مبنية على الطمع والتكسب سواء كان جنسيا من الشباب , أو ماديا من الفتيات , أو بعض الخطوات الرمزية من الأهالي والمجتمع والجهات الرسمية دون أن يقدموا التغييرات الجذرية المنوطة بهم .
المطالبة بالحقوق الخاصة بكل فئة , دون الاعتراف بالمكاسب الموجودة , والثغرات التي تركت وتم استغلالها , هو حيلة الجميع , فلماذا تتحدث المرأة عن المهر والمبالغ الفلكية التي تأخذها وفوقها النفقة أو على الأقل النفقة على الأبناء الملزمة على الزوج والأب حتى اليوم , ولماذا يحتج على ذلك الشاب نفسه وهو لديه القدرة على إشباع رغباته الجنسية بمقابل مادي رخيص جدا , ولا يهمه الزواج كله , والكل يسير على قاعدة وظاهرة ” خلوها وحلوها ” من الحلاوة وليست الحلول والمسئوليات الموزعة والمشتركة , دون أن يدرك أحد أن هذا سبب خسائر حقيقية , وكلها فترات مؤقتة من الحرية من الصرف أو الاستنزاف المادي و الجنسي , تصطدم بالواقع بشدة , فالشابات بكل ثقة يعتقدن أن خلوه عزابي هي كلمة جارحة وتعني شيء للشاب وليس العكس , كما أن خلوها تعنس يفرح بها الشباب وكأنها لا تعني أن أموالك الطائلة وحريتك كلها ستنتهي عندما يفرض عليك حل عنوستها وبطالتها وتقديم فحولتك عند الزواج .
من الطبيعي أن تكون الفتاة سلبية وحائرة في الحالات التقليدية , لأن المهر كله إهانة مادام مقابل الجنس والانجاب , وضرورة الزواج لأن العنوسة عيب , هو إهانة كذلك , ولكن قد تكون متصالحة معها , مع أن المرأة الحديثة مهما كانت منغلقة فإن المرأة الأقدم بكثير منها حين تريد الحرية بحق , فهي تتمنى أن تدفع المال مقابل أن تعتق رقبتها من سيدها الذي يحل له منها الجنس والجسد والعمل والانجاب , على عكس الرجل الذي يملك جسده بالعمل ويحرر بالمال , ولا تنتزع روحه بالعبودية الجنسية والتبعية المادية , ولو قسنا على ظروف وواقع المرأة السعودية والعربية اليوم , لقلنا بأننا نتمنى أن يكون نجاحنا وتقدمنا الوظيفي دون أي قيود مقابل عدم الالزام بالزواج والانجاب , ومقابل الزواج عن اختيار وحب وتقييم خاص بنا , وليس اختيار الأب والأخ الوحيد المتاح بسبب خبرته وحريته الاجتماعية , أو التنازل لمطامع الشباب الجنسية مع خسائر ومكاسب ضئيلة للجميع , كما نشر قبل أيام كذلك , ووصف بأنه انحراف للفتيات بسبب العضل .

أحدث التعليقات